الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٧
القرب و مقعد الصدق و معدن الوحي و الإلهام و هو الكلام الحقيقي كما مر و كذلك إذا عاشر النبي ص الملائكة الأعلين يسمع صريف أقلامهم و إلقاء كلامهم و كلامهم كلام الله النازل في محال معرفتهم و هي ذواتهم و عقولهم لكونهم في مقام القرب و قد حكى النبي ص عن نفسه كما روى ليلة المعراج أنه بلغ إلى مقام كان يسمع فيه صريف أقلام الملائكة ثم إذا نزل إلى ساحة الملكوت السماوي يتمثل له صورة ما عقلها و شاهدها في لوح نفسه الواقعة في عالم الألواح القدرية السماوية ثم يتعدى منه الأثر إلى الظاهر- و حينئذ يقع للحواس شبه دهش و نوم لما علمت من أن الروح القدسية لضبطها الجانبين- تستعمل المشاعر الحسية لكن لا في الأعراض الحيوانية بل في سبيل سلوك الرب سبحانه- فهي تشايعها في سبيل معرفة الله و طاعته لا جرم إذا خاطبه الله خطابا من غير حجاب خارجي- سواء كان الخطاب بلا واسطة أو بواسطة الملك و اطلع على الغيب فانطبع في فص نفسه النبوية نقش الملكوت و صورة الجبروت فكان يتشبح له مثال من الوحي و حامله إلى الحس الباطن فينجذب قوة الحس الظاهر إلى فوق و يتمثل لها صورة غير منفكة عن معناها و روحها الحقيقي لا كصورة الأحلام و الخيالات العاطلة عن المعنى فيتمثل لها حقيقة الملك بصورته المحسوسة بحسب ما يحتملها فيرى ملكا من ملائكة الله على غير صورته التي كانت له في عالم الأمر لأن الأمر إذا نزل صار خلقا مقدرا فيرى على صورته الخلقية القدرية و يسمع كلاما مسموعا بعد ما كان وحيا معقولا أو يرى لوحا بيده مكتوبا فيكون الموحى إليه يتصل بالملك أولا بروحه العقلي و يتلقى منه المعارف الإلهية و يشاهد ببصره العقلي آيات ربه الكبرى و يسمع بسمعه العقلي كلام رب العالمين من الروح الأعظم.
ثم إذا نزل عن هذا المقام الشامخ الإلهي يتمثل له الملك بصورة محسوسة بحسه- ثم ينحدر إلى حسه الظاهر ثم إلى الهواء و هكذا الكلام في كلامه فيسمع أصواتا و حروفا منظومة مسموعة يختص هو بسماعها دون غيره لأنها نزلت من الغيب إلى الشهادة- و برزت من باطنه إلى ظاهره من غير باعث خارجي فيكون كل من الملك و كلامه و كتابه