الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٨٨
الفصل (٢٣) في الإشارة إلى المحبة الإلهية المختصة بالعرفاء الكاملين و الأولياء الواصلين
قد مر أن العشق الإنساني على ثلاثة أقسام الأكبر و الأوسط و الأصغر و أن الأكبر هو الاشتياق إلى لقاء الله و الشهوة إلى عرفان ذاته و صفاته و أفعاله من حيث هي أفعاله فهذه الشهوة لم توجد لغير العارف و حال الناس كلهم في أشواقهم و شهواتهم إلى محبوباتهم و مرغوباتهم بالقياس إلى حال العارف كحال الصبيان في التذاذهم باللعب بالصولجان بالقياس إلى حال الرجال البالغين- في أغراضهم و مستلذاتهم و رئاساتهم فإنه لو خلق فيك شوق إلى الله تعالى و شهوة لمعرفة جماله و جلاله و هو أصدق الشهوات و أحق اللذات لكنت تؤثرها على كل الخيرات- و تختار جنة المعرفة و رياض الحكمة و ثمراتها على الجنة التي فيها قضاء الشهوات الحسية و الخيالية و لكن هذه الشهوة و هذه الإرادة لم تخلق لعوام الناس و لا لأكثر الخاصين الذين يعدون أنفسهم من أهل الفضيلة إلا من يندر وجوده من الراسخين في العلم و كما أن شهوة النكاح و شهوة الرئاسة خلقت فيك و لم تخلق في الصبيان إلا شهوة اللعب بالصولجان و نحوه و أنت تتعجب في عكوفهم على لذة اللعب و خلوهم عن لذة الرئاسة فهكذا العارف يتعجب منك و من نظرائك في عكوفهم على لذة الجاه و الرئاسة فإن الدنيا بحذافيرها عند العارف لهو و لعب.
و لما خلق الله هذا العشق للعارفين كأن شوقهم بقدر عشقهم و شهوتهم بقدر معرفتهم- و لا نسبة لاشتياقهم و شهوتهم إلى لذة الشهوات الحسية سواء كانت في الدنيا أو في الآخرة فإن لذاتهم بالمعرفة لذة لا يعتريها الزوال و لا يفترها الملال بل لا يزال يتضاعف و يترادف بزيادة المعرفة- و الاستغراق فيها بخلاف سائر الشهوات إلا أن هذا العشق لا يخلق في الإنسان إلا بعد أن يمر عليه نشئات و يتحول بأحوال كثيرة و ينتقل من حد الحيوانية إلى حد المليكة كما ينتقل نطفة الحيوان من حد الجمادية و النباتية إلى حد الحيوانية و كما ينتقل الأدمي من حد الصيبوبة- إلى حد البلوغ الصوري و صار معدودا من الرجال البالغين الكاملين في الشهوة فهكذا مادة العقل