الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٣٦
فصل (٦) في الإشارة إلى منهج آخر في أن الصادر الأول واحد غير مركب
و هو أن العلة المفيضية لا بد و أن يكون بينها و بين معلولها ملاءمة و مناسبة- لا يكون لها مع غيره تلك الملاءمة كما بين النار و الإحراق و الماء و التبريد و الشمس و الإضاءة و لذلك لا يوجد بين النار و التبريد و الماء و الإحراق و الأرض و الإشراق تلك الملاءمة فلو صدر عن واحد حقيقي اثنان فإما بجهة واحدة أو بجهتين لا سبيل إلى الأول لأن الملاءمة هي المشابهة و المشابهة ضرب من المماثلة في الصفة و هي الاتحاد في الحقيقة إلا أن هذا الاتحاد إذا اعتبر بين الوصفين كان مماثلة و إذا اعتبر بين الموصوفين كان مشابهة فمرجع المشابهة إلى الاتحاد في الحقيقة.
ثم إن الواحد الحقيقي من كل وجه هو الذي صفاته لا تزيد على ذاته فلو شابه الواحد لذاته شيئين مختلفين لساوى حقيقته حقيقتين مختلفتين و المساوي للمختلفين بالحقيقة مختلف و المفروض أنه واحد هذا خلف و لا سبيل إلى الثاني و إلا لم يكن العلة علة واحدة حقيقة و هذا قريب المأخذ مما سبق [١] [٢].
[١] و الفرق أن ما سبق أنسب بمقام التنزيه بخلاف هذا الاستعمال لفظ المشابهة- و مبدأ المبادي لا يشبهه شيء، س قده
[٢] و ذلك لابتناء البيان فيه على الخصوصية التي تربط المعلول بالعلة و ذكر بعض المحققين أن الفرق بينه و بين ما سبق أن ما سبق أنسب بمقام التنزيه بخلاف هذا الاستعمال لفظ المشابهة فيه و مبدأ المبادي لا يشبهه شيء انتهى و هو في محله فإن البيان لا يخلو من رداءة في التعبير لما في قوله لأن الملاءمة هي المشابهة و المشابهة ضرب من المماثلة في الصفة- و هي الاتحاد في الحقيقة إلى آخر ما قال.
على أن هذا التعبير يخرج الكلام عن كونه بيانا برهانيا إذ لو كان المراد بالمشابهة و المماثلة معناهما الاصطلاحي و هو الاتحاد في الكيف و الاتحاد في الماهية النوعية لم يجر البيان فيه تعالى و لا في شيء من العلل البسيطة الجوهرية مضافا إلى كونه ممنوعا من أصله- و لو كان المراد غير ذلك و إنما عبر بالمشابهة و المماثلة بنوع من التجوز و التشبيه كانت الجملتان زائدتين لا تنفعان شيئا و كان يكفيه أن يقال و الملاءمة هي الاتحاد في الحقيقة ثم قوله إلا أن هذا الاتحاد إذا اعتبر بين الوصفين كان مماثلة و إذا اعتبر بين الموصوفين كان مشابهة فمرجع المشابهة إلى الاتحاد في الحقيقة انتهى يزيد البيان إبهاما إذ المراد به إن كان جعل الاصطلاح- على تسمية الاتحاد في الوصف مماثلة و الاتحاد في الذات مشابهة لم ينفع ذلك في البرهان شيئا و إن كان غير ذلك كان كون الملاءمة مشابهة ممنوعا.
و الأولى أن يقال في تقرير البرهان إن العلة المقتضية يجب أن يكون بينها و بين معلولها مناسبة ذاتية و ارتباط خاص يرتبط به وجوده لذاته بوجودها لذاتها و الارتباط الذاتي بين الوجودين يقتضي بنوع من الوحدة السنخية بينهما بحيث لا يفترقان إلا بالشدة و الضعف- فلو صدر عن الواحد الحقيقي البسيط اثنان فإما بجهة واحدة أو بجهتين لا سبيل إلى الأول- لاستلزامه صيرورة ذلك الواحد اثنين و هو واحد هذا خلف و لا سبيل إلى الثاني لاستلزامه كون العلة مركبة غير بسيطة هذا خلف، ط مدة