الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٠
الحادي عشر من منهج مطابقة الأحكام
الصادقة الحاصلة في هذه الأذهان لما في نفس الأمر [١] و قد تصدى المحقق الطوسي ره لسلوك هذا المنهج و عمل في بيانه رسالة حاصلها أنا لا نشك في كون الأحكام اليقينية التي تحكم بها أذهاننا مطابقة لما في نفس الأمر و لا في أن الأحكام التي بخلافها مما يعتقدها الجهال غير مطابقة لما فيه و نعلم يقينا أن المطابقة لا تتصور إلا بين شيئين متغايرين بالشخص و متحدين فيما يقع به المطابقة و لا شك في أن الصنفين المذكورين من الأحكام متشاركان في الثبوت الذهني فإذن يجب أن يكون للصنف الأول منهما دون الثاني ثبوت خارج عن أذهاننا يعتبر المطابقة بين ما في أذهاننا و بينه و هو الذي يعبر عنه بنفس الأمر.
فنقول ذلك الثابت الخارج إما أن يكون قائما بنفسه أو متمثلا في غيره- و القائم بنفسه إما ذو وضع أو غير ذي وضع و الأول محال لوجوه أحدها أن تلك الأحكام غير متعلقة [٢] بجهة من جهات العالم و لا بزمان و كل ذي وضع يتعلق بهما- و ثانيها أن العلم بالمطابقة لا يحصل إلا بعد الشعور بالمتطابقين و نحن لا نشك في المطابقة مع الجهل بذلك الشيء من حيث يكون ذا وضع.
و ثالثها أن الذي في أذهاننا من تلك الأحكام إنما ندركه بعقولنا و أما ذوات الأوضاع فلا ندركها إلا بالحواس من جهة ما هي محسوسات و الثاني و هو أن يكون ذلك القائم بنفسه غير ذي وضع هو أيضا محال لأنه قول بالمثل الأفلاطونية [٣].
و أما أن يكون ذلك الخارج المطابق له متمثلا في غير منقسم.
[١] سيما أن نفس الأمر عالم الأمر الذي يقابل الخلق كما قال تعالى أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ، س قدس سره
[٢] لأنها مجردة و يستدلون من تجردها على تجرد النفوس الناطقة فكيف مطابقاتها- التي في نفس الأمر و حاق الواقع، س قدس سره
[٣] لأنها كليات عقلية مجردات عن المادة و لواحقها و إذا كانت قائمات بالنفوس الناطقة- أو بالعقل الفعال لم تكن عقولا لكونها قائمات بالغير حالات فيه بخلاف ما إذا كانت قائمات بذواتها فإنها حينئذ عقول عرضية و مثل نورية كما قال أفلاطون و سقراط و من تبعهما إن إياها يتلقى العقل عند إدراكه للكليات، س قدس سره