الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٦
مقصود أشرف و أهم منه لكونه غاية لما بعده و هذا مثل إبداعه تعالى عالم أمره بكلمة كن لا غير و هي كلمات الله التامات و الإنيات العقليات التي لا تبيد و لا تنقص و سنقيم البرهان على وجودها في مستأنف القول إن شاء الله و ليس الغرض من إنشائها منه تعالى سوى أمر الله و لأجل ذلك قال الفيلسوف الأكرم في كتاب أثولوجيا إن ما هو و لم هو في المفارقات شيء واحد يعني ما هو نفس حقيقتها فهو نفس كمالها و غايتها و فيه سر ما لوحناك إليه من قبل.
و أوسطها ما يكون لعين الكلام مقصود آخر غيره إلا أنه يترتب عليه على وجه اللزوم من غير جواز الانفكاك بحسب الواقع و ذلك كأمره تعالى للملائكة السماوية و المدبرات العلوية الفلكية أو الكوكبية بما أوجب الله عليهم أن يفعلوا من التدبيرات و التحريكات و الأشواق و العبادات و النسك الإلهية لغايات أخرى عقلية فلا جرم- لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ فينالون نصيبهم من فائدة إنزال الكلام عليهم كما ستعلم و كذلك ملائكة الطبائع الأرضية و الأجسام العنصرية من مدبرات الجبال و البحار و المعادن و السحب و الرياح و الأمطار فإن أمر الله إذا وصل إليهم إما بلا واسطة أو بواسطة أمر آخر لا بواسطة خلق فإنهم يطيعون أمر الله و لا يتمردون و في قوله تعالى وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ* حيث لم يقل بما يؤمرون إشارة لطيفة إلى هذا القسم من الكلام.
و أدناها ما يكون لعين الكلام مقصود آخر و لكن قد يتخلف عنه و قد لا يتخلف- و فيما لا يتخلف أيضا إمكان التخلف و التعصي إن لم يكن هناك عاصم من الخطاء و العصيان و هذا كأوامر الله و خطاباته للمكلفين و هم الثقلان الجن و الإنس بواسطة إنزال الملك و إرسال الرسول و هما أعني الثقلين مخلوقان في عالم الأحداث و التركيب و عالم الأضداد و الأنداد و التعاند و التفاسد ففي هذا القسم من الكلام و هو الأمر بالواسطة يحتمل الطاعة و العصيان فمنهم من أطاع و منهم من عصى و أما الأمر مع عدم الواسطة أو بواسطة أمر آخر فلا سبيل إلا الطاعة فأعلى ضروب الكلام هو الأمر الإبداعي- وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ و هو عالم القضاء الحتمي وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ و الأوسط هو الأمر التكويني و هو عالم القدر إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ