الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٨
إن المتأمل منه في خلق السماوات و الأرض إذا نظر إلى هذا العالم و رأى السماء و الأرض- و ما بينهما يظهر صورته في قلبه حتى أنه لو غمض بصره يرى تلك الصورة في خياله متمثله بين يديه حاضرة عنده أتم من حضور الصورة الخارجية بين يدي حسه ثم يتأدى من خياله صورة إلى نفسه و منها إن كان ذا عقل بالفعل إلى عقله البسيط المتحد بالعقل الفعال- فيحصل حقائق الموجودات التي دخلت أولا في الحس ثم في الخيال و عالم المثال- و هلم إلى عالم الأمر و العقل الفعال فنسخة عالم الحس موافقة لنسخ تلك العوالم- و هي مطابقة للنسخة الموجودة في اللوح المحفوظ المكتوبة بالقلم الإلهي و هذه النسخ و الكتب مترتبة في الوجود الابتدائي على ترتيب الأشرف فالأشرف و الأقرب من الحق فالأقرب فما في القلم سابق على ما في اللوح المحفوظ و هو سابق على ما في لوح المحو و الإثبات و هو سابق على ما في صحيفة الأكوان المكتوبة بمداد المواد الجسمانية الهيولانية و ترتيبها في الوجود الأعادي على عكس ترتيبها الابتدائي- فيتبع وجودها الحسي وجودها الجسماني المادي ثم يتبعه وجودها المثالي القدري ثم يتبعه وجودها العقلي القضائي التفصيلي و يتبع ذلك وجودها العقلي البسيط القلمي الإجمالي- و يتبع ذلك كله العلم الأزلي فيرجع الأمر إلى ما كان و هو قوله اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
و هذا أيضا من لطائف صنع الله و حكمته في خلق الإنسان الكامل و صيرورته إنسانا كبيرا بعد ما كان عالما صغيرا فكان الوجود كله كشخص واحد دار على نفسه و كأنه كتاب كبير فاتحته عين خاتمته و العالم كله تصنيف الله و ابتدأ بالعقل و اختتم بالعاقل كما قال تعالى أَ وَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ