الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٨٧
لأجل أمر خسيس حيث فعل عالم العقل أولا ثم فعل بتوسطه عالم النفس و خلق من النفس الطبيعة الجسمية و هكذا إلى أن انتهى فعله في الغاية إلى الهيولى التي هي أخس الأشياء- حسب ما هو مذهبهم في الترتيب فليجز عندهم أن يصدر عن الخير ما هو شر بالذات- و الجواب أن هذا غلط نشأ إما من الاشتباه بين الغاية الحقيقية و الأمر الضروري- و إما من توهم انعكاس الموجبة الكلية كنفسها و ليس كذلك فليس يلزم من كون كل غاية متأخر بالذات عن الشيء ذي الغاية أن يكون كل متأخر بالذات عن الشيء غاية له حتى يلزم أن يكون الهيولى المشتركة أشرف من السماويات و السماويات أشرف من العقول الفعالة و الغاية بمعنى الذي لأجله الفعل ليست الغاية التي هي نهاية الفعل فإنه يصح أن يقال انتهت سلسلة الأمور الدائمة إلى الهيولى المشتركة أو نحوها و يصح أن يقال للأفعال انتهاء و لا يصح بوجه آخر فإن الجود الإلهي لا غاية له و متى قال الحكماء- إنه تعالى أبدع الأشياء على الترتيب من العقل منتهية إلى الهيولى شبه ما وقع في الكلام الإلهي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض فليس المراد أن الهيولى و ما يجري مجراها- غاية الفيض و الجود و لو كان الأمر كما توهموه لم يرجع الوجود منعطفا من هذا المنزل الأدنى و الأرض السفلى إلى غاية الشرف الأقصى على عكس الترتيب الأول كما قال تعالى ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ و قوله كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ.
و أكثر من يطول حديث الخير و الشر و يستشكل الأمر من يظن أن الأمور العظيمة الإلهية من الأفلاك و ما فيها إنما خلقت لأجل الإنسان و أن الأفعال الإلهية منشؤها إرادة- قصدت بها أشياء و أغراض على نحو إرادتنا و أغراضنا في الأفعال الصادرة عنا بالاختيار- و لو تأمل هذا الجاهل المحجوب عن شهود العارفين أدنى تأمل لدرى أن الأمر لو كان كما توهمه و لم يكن هناك أحكام مضبوطة و علوم حقة الإلهية و ضوابط ضرورية أزلا و أبدا ما كان أحوال أولياء الله في الدنيا على هذا الوجه من المحن الشديدة و تسلط الأعادي و الظلمة و أهل الجور عليهم و ما كان أحوال أعداء الله من الفراعنة و الدجاجلة- على ما وقع من تمكين أديانهم الفاسدة و معتقداتهم الباطلة و آرائهم الخبيثة و سبيهم و