الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٧
فهو المصحف المحسوس الملموس و الرقم المنقوش الممسوس و أما باطن علته فهو ما يدركه الحس الباطن و يستثبته القراء و المجودون في خزانة مدركاتهم و مخزوناتهم- كالخيال و نحوه و الحس الباطن لا يدرك المعنى صرفا بل خلطا مع غواش جسمانية و عوارض مقدارية إلا أنه يستثبته بعد زوال مادة المحسوس عن الحضور فهاتان المرتبتان من القرآن دنياويتان مما يدركه كل إنسان بشري و أما باطنه و سره فهما مرتبتان أخراويتان و لكل منهما مراتب و درجات و منازل و مقامات.
فالأولى منهما مما يدركه الإنسان المتمكن من تصور المعاني بحدودها و حقائقها- منفوضة عنها اللواحق الغريبة و الآثار الخارجية المادية مأخوذا كل منهما من المبادي العقلية من حيث يشترك فيه الكثرة و يجتمع عنده الأعداد في الوحدة و يزول عنه التعاند و التضاد و يتصالح فيه الآحاد بل الأضداد لا كحالها في عالم المواد و الأجساد و مثل هذا المعنى المشترك فيه لا يدركه الروح الإنساني ما لم يتجرد عن مقام الخلق إلى مقام الأمر- و لم ينفض عن وجه ذاته تراب قبر البدن و حواسه إذ ليس من شأن المغمور في المادة أن يكون عاقلا لشيء كما ليس من المنغمس فيها كالمحسوس أن يكون معقولا.
على أنك قد علمت أن كل مرتبة من الإدراك سواء كان إحساسا أو تخيلا أو توهما أو تعقلا لا بد له من ضرب من التجرد و أن مدار المدركية و المدركية على نحو من التجرد عن المادة و الهجرة عن الدنيا و أن درجات التجرد و المفارقة متفاوتة جدا فكذا درجات الوصول إلى درك حقائق الأشياء و القرب من عالم الإلهية و الأخذ منه تعالى.
فالروح الإنسانية تارة تتلقى إدراك الأشياء من عالم الحس و ذلك عند نزوله في مرتبة بدنه و حواسه و تارة تتلقى من عالم التخيل و التمثل الجزئي و تارة تتلقى المعارف العقلية بجوهرها العقلي الذي هو من حيز عالم الأمر و تارة تأخذ المعارف