الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٣٢
و لنرجع إلى ما كنا بصدده فنقول
قد امتاز الإنسان بهذه الصورة النباتية و الأعوان الذين خلقهم الله لإفادة التغذية- و التوليد من الأجساد المعدنية فصار أكمل وجودا من الحجر و البلور و الحديد و النحاس و الذهب و الفضة و غيرها إلا أن صورة النبات مع هذا الكمال ناقص- فإنه ربما لم يصل إليه غذاء ينساق إليه و يماس أصله فجف و يبس إذ لم يمكنه طلب الغذاء- و المشي إليه من الموضع الذي فيه إلى موضع آخر فإن الطلب إنما يكون بشيئين معرفة و قدرة و هما مفقودتان عنه فلو وقف وجود الإنسان في هذه الدرجة لكان ناقصا عاجزا في خلقته و فعله فانظر كيف رفعه الله عن هذا المنزل بصورة أخرى امتاز بها عن النباتات- و ارتفع وجوده عن وجود الهاويات الساكنات و قرب بخطوة أخرى إلى رب الأرباب- و معدن الأنوار عن قعر عالم الظلمات بأن خلق له آلة الإحساس و آلة الحركة الاختيارية- في طلب الغذاء و هما المشار إليهما في الكتاب فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً.
ثم انظر إلى ترتيب حكمة الله في خلق الحواس الخمس فأولها اللمس و هذا أنقص درجات الحس فإنه الشعور بما يلامس الحيوان و يلاصقه لا بما يبعد منه فإن الشعور بما يبعد منه- يحتاج إلى حاسة أقوى و أتم و هذا يعم الحيوانات كلها و لدناءة بعض الحيوانات القريب المنزلة من النبات كالدود التي في الطين يقتصر على هذا و لا يقدر على طلب الغذاء فلو لم يخلق فيك إلا هذا الحس لكنت ناقصا كالدود فافتقرت إلى حس آخر لإدراك البعيد فخلق لك الشم إلا أنك لا تدري به أن الرائحة من أي ناحية جاءت لتطلب بها ذي الرائحة فتطوف كثيرا حتى تظفر به فأنعم الله عليك بحاسة البصر لكن لا تدرك بها ما يحتجب بجدار أو حائل آخر و أيضا لا تدرك بها إلا ما هو الموجود الحاضر و أما الغائب فلا يمكنك معرفته إلا بكلام و إعلام يدرك بحس السمع فاشتدت حاجتك إليه فانظر كيف أنعم عليك و ميزك بفهم الكلام عن سائر الحيوان و كل ذلك ما يغنيك لو لم يكن لك حس الذوق إذ يصل إليك الغذاء فلا تدرك أنه موافق أو مخالف فتأكله فتهلك كالشجرة ربما يصب في أصلها ما هو سبب جفافها و لا ذوق لها فتجذبه فتجف ثم جميع ذلك لا يكفي في الاستكمال و لا يتم به الحياة الإنسانية لو لم يكن لك إدراك باطني يتأدى