الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٨٩
إذا انتقلت من حد القوة و الاستعداد إلى حد العقل بالفعل صار من الرجال البالغين في شهوة المعرفة و غيره من أفراد البشر بالنسبة إليه كالولدان و النسوان في باب لذة المعرفة و شهوة الحكمة فمن لم يخلق فيه هذه الشهوة فهو إما صبي بعد لم يكمل عقله أو عنين أفسد كدورة الدنيا و شهواتها فطرته الأصلية.
فالعارفون لما رزقوا شهوة المعرفة و لذة النظر إلى وجه الله و مطالعة جلاله فهم في مطالعتهم جمال الحضرة الإلهية في جنة عرضها السماوات و الأرض بل أكثر و أوسع
تو مگو ما را بدان شه بار نيست
با كريمان كارها دشوار نيست
[١] فهم ينظرون إلى العاكفين في حضيض الشهوات نظر العقلاء إلى الصبيان عند عكوفهم على لذة اللعب بالتماثيل المزخرفة و لذلك تراهم يستوحشون من أكثر الخلق و يؤثرون العزلة و الخلوة و الذكر و هو أحب الأشياء لهم و يهربون من المال و الجاه علما منهم بأنه يشغلهم عن لذة المناجاة مع الله و يتجردون عن أهلهم و أولادهم ترفعا عن الاشتغال بهم عن الله فترى الناس يضحكون عليهم و يستهزئون بهم و يقولون في حق من يرون منهم إنه موسوس مجنون و هم يتعجبون من الناس و يضحكون عليهم بقناعتهم بمتاع الدنيا الفانية و لذاتها المزخرفة و يقولون إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون.
و العارف مشتغل بتهيئة سفينة النجاة لنفسه و لغيره لعلمه بخطر المعاد إذا جاءت الطامة الكبرى فيضحك على أهل الغفلة عن عذاب الله و السؤال و الحساب و عقاب يوم الآخرة و سوء المرجع و المآب عند كشف الغطاء و إظهار البواطن و السرائر و تحصيل ما في الصدور- و إخراج من في القبور و إبراز الجحيم و أشرارها و الجنة و أبرارها كما يضحك العاقل على الصبيان و اشتغالهم باللهو و اللعب عند ما ورد سلطان قاهر على البلد يريد أن يحاسب أهله و يقتل بعضهم و يخلع على بعضهم و يخلد بعضهم محبوسا في سجنه و يرفع بعضهم إلى مجلس قربه.
[١] بل لا كم و لا كيف فإن جنتهم جنة الذات و جنة الصفات كما قال تعالى وَ ادْخُلِي جَنَّتِي و لا أقل من جنة الأفعال الإبداعية التي من صقع الربوبية و أما الجنة الصورية فهي حجاب لهم عن عالم المعنى و لا يحتجبون عن جمال الحضرة الربوبية بداره و بستانه-
تو مگو ما را بدان شه بار نيست
با كريمان كارها دشوار نيست
، س قده