الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٧٢
و منهم من قال إنه فضيلة نفسانية
و مدحة و ذكر محاسن أهله و شرف غايته-
و منهم من لم يقف على ماهيته
و علله و أسباب معانيه و غايته-
و منهم من زعم
أنه مرض نفساني
و منهم من قال إنه
جنون إلهي.
و الذي يدل عليه النظر الدقيق
و المنهج الأنيق و ملاحظة الأمور عن أسبابها الكلية و مباديها العالية و غاياتها الحكمية أن هذا العشق أعني الالتذاذ الشديد بحسن الصورة الجميلة و المحبة المفرطة لمن وجد فيه الشمائل اللطيفة و تناسب الأعضاء و جودة التركيب لما كان موجودا على نحو وجود الأمور الطبيعية في نفوس أكثر الأمم من غير تكلف و تصنع فهو لا محالة من جملة الأوضاع الإلهية التي يترتب عليها المصالح و الحكم فلا بد أن يكون مستحسنا محمودا سيما و قد وقع من مباد فاضلة لأجل غايات شريفة.
أما المبادي فلأنا نجد أكثر نفوس الأمم التي لها تعليم العلوم و الصنائع اللطيفة- و الآداب و الرياضيات مثل أهل الفارس و أهل العراق و أهل الشام و الروم و كل قوم فيهم العلوم الدقيقة و الصنائع اللطيفة و الآداب الحسنة غير خالية عن هذا العشق اللطيف- الذي منشؤه استحسان شمائل المحبوب و نحن لم نجد أحدا ممن له قلب لطيف و طبع دقيق و ذهن صاف و نفس رحيمة خاليا عن هذه المحبة في أوقات عمره.
و لكن وجدنا سائر النفوس الغليظة و القلوب القاسية و الطبائع الجافية من الأكراد و الأعراب و الترك و الزنج خالية عن هذا النوع من المحبة و إنما اقتصر أكثرهم على محبة الرجال للنساء و محبة النساء للرجال طلبا للنكاح و السفاد كما في طباع سائر الحيوانات المرتكزة فيها حب الازدواج و السفاد و الغرض منها في الطبيعة إبقاء النسل و حفظ الصور في هيولياتها بالجنس و النوع إذ كانت الأشخاص دائمة السيلان و الاستحالة.
و أما الغاية في هذا العشق الموجود في الظرفاء و ذوي لطافة الطبع- فلما ترتب عليه من تأديب الغلمان و تربية الصبيان و تهذيبهم و تعليمهم العلوم الجزئية- كالنحو و اللغة و البيان و الهندسة و غيرها و الصنائع الدقيقة و الآداب الحميدة