الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٣
في تلك النقطة الواحدة [١] و قد بينا في هذه الأسفار و في غيرها بالبرهان الحكمي أن بسيط الحقيقة كل الأشياء و قال معلم حكمة المشائين و مقدمهم في الميم العاشر من كتابه المعروف بأثولوجيا الواحد المحض هو علة الأشياء كلها و ليس كشيء من الأشياء بل هو بدء الأشياء و ليس هو الأشياء بل الأشياء كلها فيه و قد صرح بهذا في غير موضع من مواضع كتابه.
و نحن نمثل لك في هذا المعنى مثالا من المحسوس يقربك إلى فهمه من وجه فإنك إذا قلت لله ما في السموات و ما في الأرض فقد جمعت جميع الموجودات في كلمة واحدة و إذا حاولت ذكرها بالتفصيل لافتقرت إلى مجلدات كثيرة ثم قس على نسبة اللفظ إلى اللفظ نسبة المعنى إلى المعنى على أن فسحة عالم المعاني و التفاوت بين أقسامها و أفرادها لا يقاس بفسحة عالم الألفاظ و التفاوت فيها.
و لو اتفق لأحد أن يخرج من هذا الوجود المجازي الحسي إلى أن التحق بالوجود العقلي و اتصل بدائرة الملكوت السبحاني حتى يشاهد معنى [٢] و الله بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ و يرى ذاته محاطا بها مقهورة تحت كبريائه فحينئذ يشاهد وجوده تحت نقطة باء السببية لمسبب الأسباب و يعاين عند ذلك تلك الباء التي في بسم الله حيثما تجلت له عظمتها و جلالة قدرها و رفعة سر معناها هيهات نحن و أمثالنا لا نشاهد من القرآن إلا سوادا لكوننا في عالم الظلمة و السواد و ما حدث فيه من مد هذا المداد- أعني مادة الأبعاد و الأجساد و هيولى الأضداد و الأعداد و المدرك لا يدرك شيئا إلا بما في قوة إدراكه و قوة إدراكه دائما يكون من جنس مدركاته بل هي عينها كما ذهبنا إليه فالحس لا ينال إلا المحسوس و لا الخيال إلا المتخيل و لا العقل إلا المعقول- فلا يدرك النور إلا بالنور وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ.
[١] أي الموجودات العينية أيضا في النقطة الكتبية و ذلك إذا أخذت النقطة الكتبية رقيقة للنقطة الحقيقية و ظهورا منها في عالم الوجود الكتبي، س قده
[٢] بأن يمتثل قولهم اقرأ و ارقأ و يصل من ظاهره إلى باطنه و من باطنه إلى مطلعه- و يترقى من مقام التعلق إلى مقام التخلق و منه إلى مقام التحقق س قده