الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٨٩
و لا ممنوعة عن وصولها إلى ما خلق لأجله منعا مستمرا بل لا بد و أن تعود إليه عند زوال القاسر كما قال أشرف الخلق ع و الكل ميسر لما خلق له- إذ القسر كما علمت لا يكون دائميا و لا أكثريا فكل طبيعة لا تتعطل عن كمالها أبدا- فنقول لا يخلو الكفر أو ما يجري مجراه إما أن يخرج الإنسان عن الفطرة الأولى- و يدخله في فطرة أخرى من نوع آخر أو لا و على أي التقديرين يلزم أن لا يكون العذاب أبديا.
أما على تقدير الخروج فظاهر لأنه صار نوعا آخر بسبب تكرر أفاعيله الشهوية أو الغضبية فصارت الملكة النفسانية صورة ذاته و جوهر طبعه فيكون تلك الأفعال عند ذلك من كمالات ذاته كالبهيمة كمالها في قضاء الشهوة و السبع كماله في الغلبة و التهجم فلم يكن الشيء معذبا بما يلائم نفسه و طبعه بل مبتهجا به كما نرى من أحوال أكثر الخلق.
و أما على تقدير البقاء على الفطرة التي كانوا عليها فإنه وقع الاحتجاب عنها- بعوارض غير لازمة و لا دائمة فعند زوال العوارض يقع الرجوع إلى الفطرة الأصلية- فينالهم الرحمة الواسعة و الجود الأعم من غير دافع و لا حجاب فإذن لا وجه للخلود في العذاب [١].
[١] و للقائلين بالخلود أن يجيبوا عنه باختيار كل من الشقين أما على الشق الأول- و هو الخروج عن الفطرة بحصول نوعية جديدة فلأن هذه الصورة الجديدة كيفما كانت- هي صورة بعض الملكات الخبيثة التي حقيقتها نوع من التعلق بالمادة و النفرة عن عالم القدس و الطهارة فإذا تصور بها الإنسان و أخذت آثارها في الظهور ثم فارقت النفس البدن و ظهرت لها حقيقة الأمر كان ما يصدر عنها من الآثار مولما لها و هي لا محيص لها عن إصدارها لمكان الملكة التي صارت صورة لها فهذه الآثار آثار كمالية لها ملائمة من حيث إنها مولمة منافرة لانكشاف حقيقتها للإنسان في النشأة الآخرة و هذا نظير من اعتاد بشيء من العادات المضرة الهادمة لبنيان الحياة ثم انكشف له مضرتها بعد استقرار العادة فإنه عند الفعل يتألم بعين ما يلتذ به.
و أما على الشق الثاني و هو البقاء على الفطرة الإنسانية فإن تلك العوارض المولمة المعذبة و إن كانت قسرية إلا أن شيئا منها ليس بدائم و لا أكثري بل متواردة متبدلة و النفس في طريق الاستكمال في شقاوتها يعرضها عارض من العذاب بعد عارض بتفاعل هيئات الشقاوة- بعضها مع بعض إلى غير النهاية كما يلوح إليه قوله تعالى كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً.
و قوله كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ و بالجملة العذاب من قبيل القسر لكن الدائم هو نوع العذاب دون شخصه و هم لا يمنعون دوام القسر النوعي و أكثريته كما صرح به المصنف و بذلك وجه قسر الأرض دائما على الشكل المضرس مع كون شكله الطبيعي هو الكره، ط مد