الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٩٨
فإنه لما جعل الباري بمقتضى مصلحته و حكمته في جبلة الحيوانات للجوع و العطش و اللذة من الملائم و الأذى من المنافر صارت هي أسبابا لانتهائها و دواعي عطب أبدانها- و هلاك هياكلها و شقاوة نفوسها على الضرورة و الاستتباع.
أما قصد الباري الحكيم في إيجاده و صنعه ذلك فهو لأجل بقائها و صلاحها- فإنه تعالى جعل لها الجوع و العطش لكيما يدعوها إلى الأكل و الشرب ليخلف على أبدانها من الكيموس بدلا مما يتحلل منها ساعة فساعة إذا كانت أجسامها دائما في الذوبان و السيلان و أما الشهوات فلكيما يدعو بها إلى المأكولات المختلفة الموافقة لأمزجة أبدانها و ما يحتاج إليه طباعها و أما اللذة فكيما تأكل بقدر الحاجة و لا يزيد و لا ينقص و أما الآلام و الأوجاع عند الآفات العارضة لأجسادها لكيما تحرس نفوسها على حفظ أجسادها من الآفات لها إلى أجل معلوم و أما كون بعض الحيوانات آكلة لجيف بعض فلئلا يضيع شيء مما خلق بغير نفع.
و اعلم يا حبيبي أنه قد تحيرت العقول في كون بعض الحيوانات آكلة لبعض- و فيما جعل الله تعالى ذلك في طباعها و هيأ لها الآلات و الأدوات التي يتمكن بها على ذلك كالأنياب و المخاليب و الأظافير الحداد التي بها يقدر على القبض و الضبط و الخرق و النهش و الأكل و الشهوة و اللذة و الجوع و ما شاكل ذلك مع ما يلحق المأكولات منها- من الآلام و الأوجاع و الفزع عند الذبح و القتل فلما تفكروا في ذلك و لم تسنح لهم العلة- و لا الغاية و الحكمة فاختلف عند ذلك بهم الآراء و تفننت بهم المذاهب حتى قال بعضهم إن تسلط الحيوانات بعضها على بعض و أكل بعضها لبعض ليس من فعل حكيم بل فعل شرير قليل الرحمة ظلام للعبيد فلهذا قالوا إن للعالم فاعلين خيرا و شريرا.
و منهم من نسب ذلك إلى النجوم و منهم من قال إن هذا عقوبة لها لما سلف منها من الذنوب و المعاصي في الأدوار السابقة و هؤلاء هم التناسخية و منهم من قال بالعرض- و منهم من قال إن هذا أصلح و منهم من أقر على نفسه بالعجز قال لا أدري ما العلة في أكل الحيوانات بعضها بعضا غير أنه قال إن الباري تعالى لا يفعل إلا الحكمة و كل هذه الأقاويل قالوها في طلبهم العلة و وجه الحكمة.