الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٩٥
و أما الذي يعرض لبعض الحيوانات أو لبعض النبات
من الحر المفرط أو البرد المفرط المهلك لها في بعض البقاع و في بعض الأوقات على سبيل الندرة و الشذوذ فليس ذلك بالقصد الأول.
و أما الخيرات التي تنسب إلى الأمور الطبيعية
من تكون الحيوان و النبات و المعادن و الأسباب المعينة لها على النشوء المبلغ لها إلى أتم حالاتها و أكمل غاياتها فهي كلها برضاء الله و إرادة من الباري القيوم و عناية منه و أما الشرور التي هي الفساد و البلاء التي يلحقها بعد الكون فهي عارضة لا بالقصد الأول بل حصولها بالعرض و الانجرار و التبعية- و ذلك لأن الكائنات لما لم يمكن أن يبقى أشخاصها في الهيولى دائما في هذا العالم تلطفت الحكمة الإلهية و العناية الربانية إلى بقائها بصورها و مبدإ نوعيتها و رب طلسمها الحافظ لديمومة طبيعتها بتعاقب الأفراد و توارد الأمثال على الاتصال و إن كانت الأشخاص في الذوبان و السيلان دائما و إنما كان ذلك بواجب في الحكمة و العناية لأن في القوة و الغيب فضائل جمة و خيرات كثيرة بلا نهاية.
و لا يمكن خروجها من القوة و الخفاء إلى الفعل و الظهور دفعة واحدة في وقت واحد لأن الهيولى الجسمية لا تتسع لقبولها فضائل نوع واحد من الأنواع الطبيعية المندمجة في عقله المدبر له و ملكوته الفياض على عينه الثابتة و أفراده إلا شيئا بعد شيء على سبيل التدريج و ممر الأوقات و الدهور دائما فكيف فضائل جميع الأنوار الطبيعية و حالاتها و كيفياتها و لوازمها و آثارها المفصلة المتفننة مثلا لو خلق الله تعالى بني آدم كلهم من مضى منهم و من هو موجود الآن و يجيء من بعد إلى يوم القيامة- في وقت واحد لم تكن تسعهم الأرض برحبها فكيف حيوانهم و نبات غذائهم و أمتعتهم