الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٩٢
فإذا كان الأمر على هذا السبيل فأصول الممكنات في هذا النظام أفلاك دائرة و كواكب سائرة لأشواق عالية و عناصر مرتبة على الترتيب و هي متأتية لأن يخلق منها ضروب أخرى من المخلوقات و هذا لا يمكن إلا بالاستحالات و الانقلابات المنبعثة في مواد الكائنات من الحركات الوضعية للسماويات و لا يمكن أن يكون الكائن موقوفا مبنيا على الحركات ثم كان مقتضى جميع الحركات فيه واحدا بل يجب أن يكون مقتضى كل حركة غير مقتضى الأخرى فإذا كان مقتضى الأولى موافقا لطبعه كان مقتضى الثانية مخالفا لهو أيضا لا يمكن أن يكون مقتضى الحركة الواحدة إذا كان موافقا لطبيعة واحدة- موافقا لطبائع سائر الأشياء نعم يجب أن يراعى حال الأفضل فالأفضل فاستيلاء الحرارة مثلا بواسطة إضاءة الشمس على موضع من الأرض لتحيلها بالتلطيف و التسخير إلى طبيعة أخرى يتكون منها نوع أشرف من الأرض ليس موافقا لطبيعة الأرض بما هي أرض لكن الرحمة الإلهية مقتضية له على أن الأرض لو كانت ذات شعور لعلم أن خروجها عن هذا الكون و إن كان مكروها لها بحسب ما هي عليه الآن لكن تحت هذا الكره و القسر لطف عظيم حيث ينقلب من هذه الصور إلى صورة أشرف و أقرب إلى قبول الحياة و الرحمة الإلهية.
و قد أشير إلى هذا المعنى في الكلام الإلهي ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فالإتيان إليه سبحانه كما في الموت و نحوه و إن كان مكروها أولا لتعلق الشيء بنشأته الجزئية لكنه إذا انقلب عنها إلى نشأة أخرى يصير المهروب عنه مطلوبا و المكروه مرغوبا فيه فإذن الموت و الفساد و نحوهما من الأمور الضرورية اللازمة للنظام و لهذا وجب أن يكون مثل هذه الأمور المنسوبة إلى الشر موجودة في هذا النظام و ما كان يليق في الحكمة أن لا يخلق هذا الخلق الذي يلزمه شر.
على أن التعمق في أسرار الكائنات يعطي الحكم بأن كله خير و نظام و هذا الموت الذي يتوحش منه الناس إذا حقق أمره يعلم أنه ليس معناه و غايته إلا تحويل النفس من نشأة سافلة إلى نشأة عالية و هو يرجع إلى أحد الاستكمالات الطبيعية