الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٤٦
السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ لأن العناية الإلهية ما سبقت لهم بالحسنى فهكذا كان أول هذا الأمر و آخره و أنت أيضا يا حبيبي لو لم تكن مما قضى الله فيك خيرا و لم تكن أهلا لذلك بحسب ما يسر لك هذا الأمر العسير في التقدير لما وقع منك إلا التقليد كالعميان إن كنت من المسلمين و لم تكن من الجاهدين- و إذا كنت أهلا له و قد أعطاك الله عينا صحيحة غير مكفوفة بحجاب تقليد و لا مئوفة بآفة عصبية فإذا فتحت عينك أبصرت ما هو بين يديك فلا تحتاج إلى قائد يقودك و أما المقلد فهو كالأعمى في المشي يحتاج إلى قائد و لكن ليس كل ما يدرك قائدا و يفعله يمكن للمقلد أن يقلده فيه إنما التقليد يجري في الأمور الناقصة و الأفعال الدنية فالأعمى يمكن أن يقاد و لكن إلى حد ما فإذا ضاق الطريق و صار أحد من السيف و أدق من الشعر قدر الطائر على أن يطير عليه و لم يقدر على أن يستجيز وراءه أعمى و كذا إذا دق المجال و لطف لطف الماء مثلا و لم يمكن العبور إلا بالسباحة فقد يقدر الماهر بصنعة السباحة أن يعبر بنفسه و ربما لم يقدر على أن يستجيز وراءه آخر فلو فرض القائد كالطير في طيرانه- أوج عالم الملكوت بجو سماء الجبروت أو كالسباح الماهر في سباحة أبحر الحقائق و المعاني فلا يمكن للأعمى تقليد ذلك القائد في الطيران و لا للزمن المقعد عن أصل السير تقليد هذا في سير البحر.
فهذه العلوم التي يشتمل عليها كلام الله و كتابه نسبة التدبر فيها على الحقيقة إلى ما يدركه جماهير الناس و فيه مجال أفكارهم كنسبة المشي على المال إلى المشي على وجه الأرض فالمشي على الأرض يمكن أن يتعلم و أما المشي على الماء فضلا عن الطيران في الهواء- فلا يكتسب بالتقليد أو بالتعلم بل ينال بقوة اليقين و لذلك
: لما قيل للنبي ص إن عيسى ع يقال إنه يمشي على الماء فقال لو ازداد يقينا لمشى على الهواء
فلأهل القرآن و هم أهل الله خاصة بحمد الله أعين يبصرون بها آيات الله و لهم آذان يسمعون بها كلماته- و قلوب يعقلون بها أسرار حكمته و شريعته و أيد يبطشون بها موائد كرمه و رحمته و أرجل يمشون بها في دار كرامته و منزل جوده و رأفته