الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٤٥
اغتذى به يفهم منطق الطير كله و هو المقصود من بسط الشبكة في الأرض دون غيره- سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* و كان بعضهم لقصوره لا يطيق ملاحظة هذا الأمر الذي به قوت القلوب و غذاء الأرواح فألجموا عما لا يطيقون خوض غمرته فألجموا بلجام المنع و قيل لهم اسكتوا فما لهذا خلقتم لا يسأل عما يفعل و هم يسألون ما للعميان و ملاحظة حقائق الألوان.
و أما من امتلأت مشكاة قلبه نارا مقتبسا من نور القرآن فأدرك أسرار الأمور- و الكلمات و الآيات كما هي فقيل لهم تأدبوا بآداب الله و رسوله و اسكتوا فسيروا بسير أضعفكم و لا تكشفوا حجاب الشمس لأبصار الخفافيش فيكون ذلك سبب هلاكهم- و انزلوا إلى السماء الدنيا من منتهى علوكم ليأنس بكم ضعفاء الأبصار و يقتبسوا من بقايا أنواركم المشرقة المشرقية من وراء حجب مضروبة بينكم و بينهم و كونوا كما قيل-
شربنا و أهرقنا على الأرض فضله
و للأرض من كأس الكرام نصيب
و لذلك يوجد في القرآن ما فيه صلاح كل أحد و ما رزق من الأرزاق المعنوية و الصورية إلا و يوجد في الكتاب قسم منه لأهله مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ* و لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ و كما يوجد فيه من حقائق الحكم و طرائف النعم التي فيها غذاء للأرواح و القلوب فكذلك يوجد فيه العلوم الجزئية و الأغذية و الأدوية الصورية من القصص و الأحكام و المواريث و الديات و المناكحات و غيرها مما ينتفع به المتوسطون في المنازل و العوام ففيه الأغذية المعنوية و الصورية معا و الأقسام الأخروية و الدنيوية جميعا فما من شيء إلا و فيه تبيانه و لو كان من باطنك طريق إلى ملكوت القرآن و باطنه لتعرف كونه تبيانا لكل شيء.
تنبيه و إشعار
اعلم أن خطابات القرآن كقوله يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* مما يختص بأحباء الله المتألهين و أوليائه المقربين لا المبعدين الممكورين و الجاحدين المنكرين- إذ ليس لهم نصيب من رزق معاني هذا الكلام و الكتاب إلا قشور الألفاظ و المباني إِنَّهُمْ عَنِ