الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٦
أن الأولى مما يبرز من جهة الباطن و الغيب إلى جهة الظاهر و الشهادة فيدرك بين الخيال أولا ثم بعين الحس تبعا بخلاف الثانية فإن الأمر فيها على عكس ذلك من حيث إنها تدرك أولا بعين الحس ثم بعين التخيل لوجب أن يختص بمشاهدة كتابة الخالق من غلب على باطنه سلطان الآخرة دون غيره من أفراد الناس و أهل الحجاب.
قلت لعل حصولها لغيره بحسب التبعية من جهة تأثير نفسه فيهم و سراية حاله منه إليهم لأسباب خفية لا يطلع على تفاصيلها و لا يبعد أن يكون اهتمام نفوس الحاضرين- من جهة استغراقهم في تلك الساعة في التعجب عن حاله و التفكر في ذلك يوجب تعطل حواسهم الظاهرة عن استعمال النفس إياها في المحسوسات الخارجة و رجوعها إلى جانب الباطن و معدن التخيل و عالم الغيب
الفصل (١١) في تحقيق قول النبي ص إن للقرآن ظهرا و بطنا و حدا و مطلعا
[١] اعلم أن القرآن كالإنسان ينقسم إلى سر و علن و لكل منهما أيضا ظهر و بطن- و لبطنه بطن آخر إلى أن يعلمه الله و لا يعلم تأويله إلا الله و قد ورد أيضا في الحديث
: أن للقرآن ظهرا و بطنا و لبطنه بطنا إلى سبعة أبطن
و هو كمراتب باطن الإنسان- من الطبع و النفس و الصدر [٢] و القلب و العقل و الروح و السر و الخفي أما ظاهر علته
[١] المطلع في اصطلاح العرفاء هو مقام شهود المتكلم عند تلاوة آياته متجليا بالصفة التي هي مصدر تلك الآية كما
قال مولانا الصادق ع: لقد تجلى الله لعباده في كلامه و لكن لا يبصرون
و كان ذات يوم في الصلاة فخر مغشيا عليه فسئل عن ذلك فقال
: ما زلت أكرر آية حتى سمعت من قائلها
و قد ينقل الحديث هكذا
: ما من آية إلا و لها ظهر و بطن- و لكل حرف حد و لكل حد مطلع
و لعله قدس سره نقل بالمعنى، س قده
[٢] و لعل الصدر و هو مقام الخيال كما مر زيادة من النساخ و إلا لكانت المراتب ثمانية و قد يزداد في آخر المراتب الأخفى فليسقط العقل أو الطبع و هو الأنسب هنا- لقوله كمراتب باطن الإنسان فإن الطبع ظاهرة.
و بالجملة هذه اصطلاح العرفاء و الحكيم يطلق النفس الناطقة على الجميع أو الأكثر- و هم استغنوا عن البيان بالعيان كما هو ديدن أكثرهم في أكثر المواضع و قد يبينون بقدر ما يسع المقام و قد نقلنا اصطلاحهم في أول تعاليقنا على السفر الأول، س قده