الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٤
فنحن بسواد هذا العين لا نشاهد إلا سواد أرقام الكلام و مداد نقوش الكتاب فإذا خرجنا من هذا الوجود المجازي و القرية الظالم أهلها مهاجرا إلى الله و رسوله في قطع المنازل التي بيننا و بين المطلب و أدركنا الموت عن هذه النشئات و الأطوار التي بعضها صور حسية أو خيالية أو وهمية أو عقلية و قطعنا النظر عن الجميع و محونا بوجودنا في وجود كلام الله ثم أحيانا الله بعد موتنا و أخرجنا من المحو إلى الصحو و من الفناء إلى البقاء و من الموت إلى الحياة حياة ثابتة باقية ببقاء الله فما نرى بعد ذلك من القرآن سوادا أصلا إلا البياض الخالص و النور الصرف الذي لا يشوبه ظلمة و اليقين المحض- الذي لا يعتريه شك و تحققنا بقوله تعالى وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا و بقوله وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً.
و عند ذلك نقرأ الآيات من نسخة الأصل و هو الإمام المبين و الذكر الحكيم- و من عنده علم الكتاب و هو أمير المؤمنين علي ع لقوله تعالى وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ و لهذا نطق بما نطق من قوله
: أنا نقطة تحت الباء
و قوله مشيرا إلى صدره الشريف
: إن هاهنا لعلوما جمة لو وجدت لها حملة
و لعل الكلام في الكلام قد خرج عن طور الأوهام و تعدى عن أسلوب المباحثة و التعليم لكن المثل سائر أن الكلام يجر الكلام و ليعذرني إخوان الحقيقة إن عشق الحبيب يجرني على عد أوصاف كماله- و نعوت جماله و عد شمائله في ذاته و صفاته و كلامه و كتابه و رسوله و أمره و نهيه و سائر أفعاله كما نحن بصدده إن شاء الله و لنرجع إلى ما كنا فيه
الفصل (١٠) في بيان الفرق بين كتابة المخلوق و كتابة الخالق
هذا أيضا علم ذوقي لا يذعنه إلا صاحب بصيرة قلبية يعرف الفرق بين صورة محسوسة يكون مبدؤها من خارج الحس و بين صورة محسوسة يكون مبدؤها من داخل الحس مع أن كلا منهما محسوس بهذه الحواس الظاهرة و الحس لا يفرق بينهما فقد يقع لبعض الناس عند ظهور سلطان الباطن و قوة بروزه إلى الظاهر كما قال تعالى