الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٩١
من مشاركة الملإ الأعلى في فرحهم و سرورهم بمطالعة جمال الحضرة الربوبية فما أشد جهلك و غيك و ما أخس همتك و قيمتك على قدر همتك انتهى.
و مما ينبغي أن يعلم أنه كما أن وجود كل شيء من آثار موجده و لا يوجد شيء في المعلول إلا و يوجد في علته على وجه أعلى و أشرف فهكذا جميع المرغوبات و المستلذات التي توجد في عالم المواد الجسمية و الطبائع الكائنة المستحيلة فإنما هي رشحات لما يوجد في عالم النفوس [١] و نشأة الجنان و دار الحيوان كما قال تعالى وَ فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَ أَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ و كذلك جميع مستلذات النفوس و تماثيل الجنة و أشجارها و أنهارها و غرفاتها و حورها و قصورها و نغمات طيورها إنما هي آثار و رشحات لما يوجد في الحضرة الإلهية و ينالها العاكفون حول جنابه من اللذات و الابتهاجات التي تكل الإنسان عن وصفها مما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر فمن ترك الدنيا و زهد فيها فاز بنعيم الآخرة و لذات الجنة و من زهد في نعيم الآخرة فاز بنعيم القرب و شرف الوصول و الابتهاج بلقاء الله الذي يحقر في جنبه كل نعيم و لذة.
و اعلم أنه قبيح بذي عقل أن يكون بهيمة و قد أمكنه أن يكون إنسانا أو إنسانا و قد أمكنه أن يكون ملكا مقربا و قال تعالى أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَ بَنِينَ- نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ و قال أيضا قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا- يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً أشار إلى أن من كان من أهل العلم يعلم أن المثوبات الأخروية أجل و أبهى من اللذات الدنيوية لأن تلك أمور حقة باقية و هذه أمور باطلة فانية
و قال أمير المؤمنين ع: هلك خزان الأموال و العلماء أحياء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة و آثارهم في القلوب موجودة
[١] أي النفوس المنطبعة الفلكية أو عالم المثال الذي هو الخيال المطلق للإنسان الكبير هذا في المرغوبات الطبيعية و أما المرغوبات الصناعية فإنما هي رشحات لما في نفوس الآدميين فإنها تمثل في خيالاتهم أولا ثم في محال صنائعهم حتى بعض الطبيعيات كما قيل إن بعض الناس يتخيل صورة حسنه عند المباشرة و يصير الولد صبيحا، س قده