الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٩٠
فما أشد سخافة عقل من كان مرجعه إلى يوم الآخرة و هو مشتغل اليوم بكسب المال و الجاه و التفوق على الغير بالذهب و الفضة و الأنعام و الحرث و النسل و بين يديه هذه العقبات و في طريقه الأهوية المهلكات و
الصادق ع يقول: رب شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا
و سئل الجنيد عن صفة المحب فقال دائم الفكر كثير الخلوة قليل الخلطة لا يبصر إذا نظر و لا يسمع إذا خوطب و لا يفهم إذا تكلم و لا يحزن إذا أصيب و لا يفرح إذا أصاب ينظر إلى الله في خلواته و يأنس به و يناجيه في سره و جهره و لا ينازع أهل الدنيا في دنياهم تراه حزينا يخشى حرمان ما يرجو و يخاف فوت ما يطلب قد دهش عقله من مطالعة جلال الله قليل المنام قليل الطعام دائم الأحزان للناس شأن و له شأن إذا خلا حن و إذا تفرد أن و له شربة من كأس الوداد و استيحاش من جميع العباد انتهى كلامه.
أقول ما ذكره هو من أحوال المحبين في مبادي سلوكهم إلى الله و في أوقات انزعاجهم من خلق إلى الحق و أما عند الوصول و انشراح الصدر بنوره و سعة القلب- لاستوائه فهم من أهش خلق الله و أوسعهم خلقا و أشدهم فرحانا بمطالعة جلال الله و رؤيته في كل شيء و كذلك كان النبي ص قبل البعثة متوحشا من الخلق متخليا بعبادة ربه في جبل حراء ثم وسع الله قلبه و عظم خلقه فبعثه إلى كافة الخلائق و اشتغل بهدايتهم و تعليمهم الكتاب و الحكمة و إلى ذلك أشار بقوله تعالى أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ إلى آخر السورة و سنرجع إلى تحقيق هذا المقام في موعده إن شاء الله.
قال بعض العلماء و لا تظنن أن روح العارف من الانسراح في رياض المعرفة- و بساتينها أقل من روح من يدخل الجنة التي يعرفها و يقضي فيها شهوة البطن و الفرج و أنى يتساويان بل لا ينكر أن يكون في العارفين من رغبة في فتح أبواب المعارف لينظر إلى ملكوت السماوات و الأرض و جلال خالقها و مدبرها أكثر من رغبة الناس في المأكول و المنكوح و الملبوس و كيف لا يكون هذه الرغبة أغلب و هي مشاركة للملائكة في الفردوس الأعلى إذ لا حظ للملائكة في المطعم و المشرب و المنكح و لعل تمتع البهائم بهذه الأمور يزيد على تمتع الإنسان فإن كنت ترى مشاركة البهائم في لذاتها أحق بالطلب