الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٨٧
خالصة عن الأغيار و رسومها مصفاة عن الملابس و الأغشية حتى إذا غابت تلك الأشخاص الجرمانية عن مشاهدة الحواس لما زالت رسومها و صورها عن النفس بل بقيت تلك الرسوم و الصور المعشوقة المحبوبة مصورة فيها أعني النفس الجزئية صورا روحانية صافية عن المواد.
ثم إذا قويت النفس و صارت إلى مقام العقل انتقلت معها الصور المرسومة في قوة خياله من ذلك المقام إلى ما فوقه فصارت معشوقاتها باقيات صالحات و هي صور كلية دائمة عقلية متحدة بها لا يخاف فراقها و لا دثورها و تغيرها و استحالتها أبد الآبدين.
مثال ذلك أن من ابتلي بعشق أحد في بعض أيام عمره ثم تسلى عنه أو فقده فإذا وجده بعد مدة من الدهر و قد تغير عما كان عليه من الحسن و الجمال و تلك الزينة و المحاسن كأن يراها على ظاهر جسمه فنظر إلى تلك الرسوم و الصور التي في خياله للعهد القديم وجدها بحالها لم يتغير و لم يتبدل و رآها برمتها مرتسمة في نفسه من تلك المحاسن و الرسوم و الأصباغ و الأشكال و التخاطيط على ما كانت من قبل و كان يراها بزعمه على الغير من بعيد و يجد اليوم كلها في نفسه منتزعة عن الغير مسلوبة عنه ما كان قبل ذلك يلتمسه عنه خارجا عن ذاته فعند ذلك يتفطن اللبيب بأن المعشوق بالحقيقة- ليس بأمر خارج عن ذاته لأن تلك الرسوم و الصور الحسان التي كان يراها على ذلك الشخص- و هو اليوم يجدها منقوشة في نفسه مرسومة في ذاته متمثلة بين يدي جوهره مصورة عنده- باقية ثابتة على حالة واحدة لم تتغير.
فإذا فطن العاقل الذكي بما وصفناه انتبهت نفسه من نوم غفلتها و استيقظت من رقدة جهالتها و علمت أن المعشوق بالحقيقة لم يوجد و لا يوجد في الأجسام و المواد الكثيفة و الأبدان اللحمية و الدموية و استراحت نفسه عند ذلك من التعب و العناء و مقاساة صحبة الغير و تحمل المشاق الشديدة و الشقاء الذي لا يزال يعرض لعشاق الأجسام و محبي الأبدان و يقول كما قال القائل-
صحى القلب عن سلمى و أقصر باطله
و عرى أفراس الصبى و رواحله