الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٨٦
و يتلاشى له البشاشة و يخمد لهيب ذلك الاشتياق و الهيجان و ربما يصير عين ما هو المحبوب وبالا و آفة على المحب و مرضا و علة له كما نشاهد من حدوث الأمراض و العلل من أكل الحلاوات و الدسومات و من كثرة المجامعة و رب معشوق آدمي صار من أعدى الأعداء و أوحش الأشياء عند محبه إلا المحبين لله و المؤمنين بآياته و المشتاقين إلى لقائه من عباده و أوليائه الصالحين فإن لهم كل يوم من محبوبهم قربة و كلما قربوا منه ازداد شوقهم و قوي عشقهم و كلما ازداد الشوق ازداد القرب و هكذا أبد الآباد كما ذكر الله وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ و قال نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا و أشار إلى حال المحبين سواه بقوله كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً.
ثم عطف نحو محبيه فذكر حالهم و كنى عن ذكرهم بوصف حالهم فقال وَ وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ و ذلك لأن الدنيا و صورها الكونية عند العارف البصير بمنزلة مرائي و مظاهر- للحقائق القدسية و الصفات الإلهية و كما أن الناظر في السراب إذا كان عارفا يعلم أن ما يشاهد فيه هو صورة السماء لا صورة الماء كما بين في موضعه فكذلك العارف المحقق يعلم أن الوجود الذي يتراءى في هذه الموجودات العالمية ليس إلا أنحاء تجليات الحق و ظهورات كمالاته و أسمائه في مظاهر الأكوان و مرائي الأعيان.
و اعلم أن الغرض الأقصى و الحكمة الأسنى من وجود العشق في نفوس الظرفاء- و محبتها لحسن الأبدان و زينة الأشكال إنما هو لأن تتنبه من نوم الغفلة و رقدة الجهالة و ترتاض بها مدة و تخرج من القوة إلى الفعل و تترقى من الأمور الجسمانية إلى الأمور النفسانية- و منها إلى محاسن الأمور الدائمة الكلية و تتشوق إلى لقاء الله و لذات الآخرة و لتعرف من هذه الدلالات شرف جوهرها و كمال عنصرها و محاسن عالمها و صلاح معادها و ذلك لأن جميع المحاسن و كل المشتهيات المرغوبة للنفس التي نراها على ظواهر الأجسام و سطوح الأبدان جعلت دلالات على المحاسن الأخروية و مثلا للصور البهية الروحانية- كيما إذا نظرت إليها النفوس الجزئية حنت إليها و تشوقت نحوها و إذا وصلت إليها- تعمقت في إدراك كنهها وحدها بالنظر و التدبر فيها و الاعتناء لأحوالها لينتزع صورها