الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٨٥
الموجودات و جبلات النفوس محبة الكون و البقاء على أتم الحالات التي تخصها و أتم حالات النفس الشهوانية أن تكون موجودة أبدا تتناول شهواتها و تتمتع بلذاتها التي هي مادة وجود أشخاصها من غير عائق و لا منغص فهي أبدا عاشقة للأكل و الجماع لا غير و هكذا من أتم حالات النفس الغضبية أن تكون موجودة رئيسة على غيرها غالبة على عدوها منتقمة ممن يؤذيها من غير عائق و لا منغص فهي أبدا عاشقة للقهر و الانتقام.
و من أتم حالات النفس الشيطانية أن تكون مكارة محيلة جربزة كذوبة مظهرة للأمور على غير ما هي عليه شأنها التدليس و التلبيس بإبراز المقدمات الباطلة في صورة الحق و إظهار الأكاذيب الواهية بهيئة الصدق فهي أبدا عاشقة للمكر و الحيلة و الوسوسة- و المواعيد الكاذبة و الأماني الباطلة كما قال تعالى في صفة الشيطان يَعِدُهُمْ وَ يُمَنِّيهِمْ وَ ما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً.
و من أتم حالات النفس الملكية أن تعرف الحقائق على ما هي عليها و تؤمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر و تزهد في الدنيا و ترغب في الخلوة للمناجاة مع الله و تتفكر في صنع الله و ملكوته راضية بقضائه فهي أبدا عاشقة للمعارف الإلهية- و الكون مع الله بلا عائق و حاجب مسرورة بذكره كارهة للكون في الدنيا متمنية للموت و الخروج من هذه النشأة المجازية إلى الدار الآخرة تشوقا إلى جوار الله و مشاهدة لقائه و هذه الخصال لا توجد إلا في خواص الناس من الأخيار الذين هم بمنزلة الملائكة المقربين و الرسل المكرمين و أكثر الناس قصرت أفهامهم عن تصور هذه الخصال لقلة معرفتهم و كدورة أذهانهم لانغماسها في بحر الهيولى فرضوا بهذه الصور و الأشباح الجسدانية المؤلفة من العناصر و الأبدان المركبة من اللحم و الدم و الأخلاط العفنة الظلمانية و اطمأنوا بها تمنوا الخلود معها و ذلك لنقص جوهرهم و دناءة نفوسهم كما ذكر الله عز و جل وَ رَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَ اطْمَأَنُّوا بِها وَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ و آيات كثيرة من القرآن في هذا المعنى.
ثم لا يخفى عليك أن كل محب لشيء من الأشياء الدنيوية مشتاق إليه هائم به عند الفقدان- و أنه متى وصل إليه و نال ما يهواه منه حصل مقصوده و بلغ حاجته من الاستمتاع و التلذذ بقربه فإنه لا بد يوما أو ساعة أن يفارقه و يمله أو يتغير عليه و يذهب عنه تلك الحلاوة