الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٨١
الكبير لا يستحق لأن يكون محبوبا لمن يشتمل على جميع المشاعر و القوى بالقوة أو بالفعل إلا العالم الصغير الجزئي و الإنسان الشخصي فإن الإنسان الكلي [١] في الحقيقة هو العالم الكبير و لأجل ذلك لا يوجد في شيء من المكونات ما يشتد العشق و الوله من الأدمي إليه بحيث يسلب منه القرار و الصبر و يعتريه ما يعتري للعشاق من سهر الليالي و الغم و الحزن و البكاء و غير ذلك إلا من جهة شخص إنساني إذ صادف فيه جميع محبوبات- ما فيه من المشاعر و القوى فيوازي كله بكله و ليس غير الإنسان كذلك فإن كل واحد من أجزاء العالم ليس فيه إلا مشتهي قوة واحدة لأنه إما معقول فلا يستلذه إلا العقل و إما محسوس صرف فلا يستلذه إلا الحس دون العقل ثم ذلك المحسوس إن كان من باب اللون- و الضوء فلا يستلذه إلا البصر و إن كان من باب الصوت و الحرف فلا يستلذه إلا السمع فأما الإنسان ففيه مفردات الأشياء و مركباتها و جواهرها و أعراضها من المقولات التسع- و الروحانيات كملائكة القوى و الجسمانيات كالجوارح و الأعضاء.
و بالجملة ما في الملك و الملكوت من النعم الظاهرة و الباطنة كما في قوله تعالى- وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً فمن رأى مثل هذه النشأة الكاملة و المدينة الجامعة- فلا جرم يشتاق إلى لقائه و يحبه لما رأى فيه من صنعه موجدة و مظهر آثاره و مرآة جماله و جلاله.
قال الشيخ الكامل المحقق محي الدين الأعرابي في الفتوحات المكية اعلم أن العالم خلقه الله في غاية الإحكام و الإتقان كما قال الإمام أبو حامد الغزالي- من أنه لم يبق في الإمكان أبدع من هذا العالم فأخبر أنه تعالى خلق آدم على صورته [٢] و الإنسان مجموع العالم و لم يكن علمه بالعالم إلا علمه بنفسه إذ لم يكن
[١] كأنه قيل أعوذك عشق آخر هو أقرب درجة إلى عشق الله و هو العشق بالإنسان الكامل المكمل فأجاب بأنه في الحقيقة هو العالم الكبير، س قده
[٢] أي أخبر الغزالي صريحا في موضع آخر أو هنا التزاما فإن قوله لم يبق في الإمكان أبدع من هذا العالم في قوة أن يقال إن العالم لما كان على صورة الحق كان أبدع ما يتصور و أسنى و أبهى و الثاني أظهر و الإنسان مجموع العالم أي آدم الذي قال ع إنه تعالى خلق آدم على صورته يشمل الإنسان الكبير الذي هو مجموع العالم و يشمل مختصره الذي هو الإنسان الكامل و الإنسان الصغير و هو سبيل التوحيد، س قده