الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٧٧
و منهم من قال إن العشق هو إفراط الشوق إلى الاتحاد
و هذا القول و إن كان حسنا- إلا أنه كلام مجمل يحتاج إلى تفصيل لأن هذا الاتحاد من أي ضروب الاتحاد فإن الاتحاد قد يكون بين الجسمين و ذلك بالامتزاج و الاختلاط و ليس ذلك يتصور في حق النفوس- ثم لو فرض وقوع الاتصال بين بدني العاشق و المعشوق في حالة الغفلة و الذهول [١] أو النوم فعلم يقينا أن بذلك لم يحصل المقصود لأن العشق كما مر من صفات النفوس لا من صفات الأجرام بل الذي يتصور و يصح من معنى الاتحاد هو الذي بيناه في مباحث العقل و المعقول من اتحاد النفس العاقلة بصورة العقل بالفعل و اتحاد النفس الحساسة بصورة المحسوس بالفعل فعلى هذا المعنى يصح صيرورة النفس العاشقة لشخص متحدة بصورة معشوقها و ذلك بعد تكرر المشاهدات [٢] و توارد الأنظار و شدة الفكر و الذكر في أشكاله و شمائله حتى يصير متمثلا صورته حاضرة متدرعة في ذات العاشق و هذا مما أوضحنا سبيله و حققنا طريقه بحيث لم يبق لأحد من الأزكياء مجال الإنكار فيه.
و قد وقع في حكايات العشاق ما يدل على ذلك كما روي أن مجنون العامري كان في بعض الأحانين مستغرقا في العشق بحيث جاءت حبيبته و نادته يا مجنون أنا ليلي فما التفت إليها و قال لي عنك غنى بعشقك فإن العشق بالحقيقة هو الصورة الحاصلة- و هي المعشوقة بالذات لا الأمر الخارجي و هو ذو الصورة لا بالعرض كما أن المعلوم بالذات هو نفس الصورة العلمية لا ما خرج عن التصور و إذا تبين و صح اتحاد العاقل بصورة المعقول و اتحاد الجوهر الحاس بصورة المحسوس كل ذلك عند الاستحضار الشديد و المشاهدة القوية كما سبق فقد صح اتحاد نفس العاشق بصورة معشوقه بحيث لم يفتقر بعد ذلك إلى حضور جسمه و الاستفادة من شخصه كما قال شاعر
[١] إنما قيد به إذ في حالة انفكاك الاتصال الجسماني عن الاتصال الروحاني ينكشف جلية الحال من أنه أيهما المقصود، س قده
[٢] يعني إن الاتحاد و إن حصل بمشاهدة مرة إلا أنه يستدعي ملكة الاتحاد لأنه أثر هذه الصور على جميع مدركاته، س قده