الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٧٣
و الأشعار اللطيفة الموزونة و النغمات الطيبة و تعليمهم القصص و الأخبار و الحكايات الغريبة و الأحاديث المروية إلى غير ذلك من الكمالات النفسانية فإن الأطفال و الصبيان- إذا استغنوا عن تربية الآباء و الأمهات فهم بعد محتاجون إلى تعليم الأستادين و المعلمين- و حسن توجههم و التفاتهم إليهم بنظر الإشفاق و التعطف فمن أحل ذلك أوجدت العناية الربانية في نفوس الرجال البالغين رغبة في الصبيان و تعشقا و محبة للغلمان الحسان الوجوه- ليكون ذلك داعيا لهم إلى تأديبهم و تهذيبهم و تكميل نفوسهم الناقصة و تبليغهم إلى الغايات المقصودة في إيجاد نفوسهم و إلا لما خلق الله هذه الرغبة و المحبة في أكثر الظرفاء و العلماء عبثا و هباء فلا بد في ارتكاز هذا العشق النفساني في النفوس اللطيفة و القلوب الرقيقة غير القاسية و لا الجافية من فائدة حكمية و غاية صحيحة.
و نحن نشاهد ترتب هذه الغايات التي ذكرناها فلا محالة يكون وجود هذا العشق في الإنسان معدودا من جملة الفضائل و المحسنات لا من جملة الرذائل و السيئات و لعمري إن هذا العشق يترك النفس فارغة عن جميع الهموم الدنياوية إلا هم واحد فمن حيث يجعل الهموم هما واحدا هو الاشتياق إلى رؤية جمال إنساني فيه كثر من آثار جمال الله و جلاله حيث أشار إليه بقوله لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ و قوله- ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ سواء كان المراد من الخلق الآخر- الصور الظاهرة الكاملة أو النفس الناطقة لأن الظاهر عنوان الباطن و الصورة مثال الحقيقة- و البدن بما فيه مطابق للنفس و صفاتها و المجاز قنطرة الحقيقة.
و لأجل ذلك هذا العشق النفساني للشخص الإنساني إذا لم يكن مبدؤه إفراط الشهوة الحيوانية بل استحسان شمائل المعشوق و جودة تركيبه و اعتدال مزاجه و حسن أخلاقه و تناسب حركاته و أفعاله و غنجه و دلالة معدود من جملة الفضائل و هو يرقق القلب و يذكي الذهن و ينبه النفس على إدراك الأمور الشريفة و لأجل ذلك أمر المشايخ مريديهم
ذره عشق أز همه آفاق به
ذره درد أز همه عشاق به
قدسيانرا عشق هست و درد نيست
درد را جز آدمي در خورد نيست
[١] في الابتداء بالعشق و قيل العشق العفيف أو في سبب في
[١] إذ لا يرون سببا أقوى في انتزاع يد النفس عن مشتهيات عالم الكون الطبيعي بعد الجذبة أو بعد الرياضات الشرعية من هذا العشق و لهذا قال الشيخ فريد الدين العطار الذي هو عشق محض بحيث قال بعض العرفاء إيماء إلى وجوده العشق خراساني-
ذره عشق أز همه آفاق به
ذره درد أز همه عشاق به
قدسيانرا عشق هست و درد نيست
درد را جز آدمي در خورد نيست
إن قلت المشايخ يلتزمون التوفيق بين أوضاع الشريعة و الطريقة و المحققون منهم في هذا الجمع متوغلون و بهذا الأصل الشامخ متصلبون و هذا الأمر كيف يوافق الشريعة المطهرة- قلت لعلهم وجدوا رخصة من رموزها و دقائقها و لعلهم جوزوا اجتماع الأمر و النهي- كما جوزه كثير من المتشرعة فالخروج من الدار المغضوبة مأمور به و منهي عنه لأن هذا الخروج بعينه تصرف في مال الغير بدون إذنه و إخراج الزاني حشفته من فرج المرأة مأمور به و منهي عنه نظير ما مر فشيء واحد مبغوض و مطلوب للشارع المقدس من جهتين و بسطه موكول إلى موضعه و الله تعالى هو العالم بالأسرار، س قده