الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٦٩
الفصل (١٩) في التنبيه على إثبات الصور المفارقة التي هي مثل الأصنام الحيوانية و النباتية و مدبراتها الكلية من هذا المأخذ
اعلم أنك إذا تدبرت في مراتب الإنسان و ترقياته من حدود النفوس النباتية و الحيوانية- إلى حد النفس النطقية و إلى تفاوت أفراد البشر في أغراضهم حيث إن بعض الناس لا يفعل فعل الشهوة و الغضب و لا غرض له في ذلك إلا لذة الأكل و الشرب و النكاح و لذة الغلبة على العدو و الظفر على مجرد الانتقام و التشفي عن الغيظ و الحقد من غير أن يلحظ في جميع ذلك- مصلحة حكمية و غاية عقلية مع أنه معلوم عند الحكماء بالنظر العقلي و النهج البرهاني- أن الغرض الأصلي من العناية الربانية في خلق هذه القوى النباتية و المشاعر الحيوانية- ليس مقصورا على مجرد ما انتهت إليه حركاتها [١] و حصلت به أغراضها الجزئية بل لتأديتها إلى أغراض أخرى أرفع من تلك الأغراض و هي بقاء الأنواع و حصول النظام على وجه التمام و الانتهاء إلى الخير الأقصى و الملكوت الأعلى كما يقصده الإنسان الكامل لعلو نفسه الناطقة ثم إذا نظرت إلى أفاعيل الطبائع الجمادية و النباتية وجدتها مؤدية- إلى حسن النظام و مصلحة الكل مع عدم شعورها بذلك لكون درجتها أدون من درجة الحيوانات التي ليس قصدها في صدور الأفاعيل منها إلا تحصيل ما يلائم شهوتها الجزئية- فعلم من هذا النظر الدقيق أن لكل من تلك الطبائع الجسمانية مدبرا آخر فوق طبائعها العديمة الشعور بما يترتب على أفاعيلها من مصلحة النظام و فوق النفوس الحيوانية الجزئية التي لا شعور لها إلا بما يلائم هوياتها الجزئية و لذاتها المستحيلة الزائلة فهي لا محالة مدبرات عقلية و محركات قدسية لأغراض علوية ففعل الإنسان الكامل بقوة
[١] هذا بالنسبة إلى القوى الطبيعية لأن غاية طبيعة المدر مثلا في الإهباط ليست إلا ما انتهت إليه الحركة إذ لا نزوعية هنا و قوله حصلت به أغراضها بالنسبة إلى الحيوانات غير الناطقة بوجود النزوعية فيها فلها غايات بمعنى ما لأجله الحركة إلا أنها غايات وهمية جزئية، س قده