الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٦
العضلات و الأوتار و الأعصاب إلى الأوردة و منها إلى الأرواح الدماغية و منها إلى الروح النفساني و منه إلى معدن التخيل و منه إلى القوة النفسانية ثم إلى العقل النظري و ما بعده على وجه الأشرف فالأشرف و الأعلى فالأعلى كالأول على وجه الأخس فالأخس و الأدنى فالأدنى- فهذا الترتيب الصعودي على عكس النزولي فكأنهما قوسان بداية الأولى بعينها نهاية الثانية كما بدأنا أول خلق نعيده فإذا علمت هذا المثال فقس عليه حال مبدإ كلام الله و كتابه فانظر بعين المكاشفة إلى هذا المقام لأن ذلك من عجائب سر الآدمي. [١] و اعلم أن حقائق آيات الله و بدائع حكمته و جوده و رحمته ثابتة أولا في علم الله- و غيب غيوبه على وجه لا يعلمها إلا هو ثم في قلم قدرته على وجه بسيط مقدس عن الكثرة و التفصيل و هي أيضا مسطورة في اللوح المحفوظ بل في عقول الملائكة المقربين ثم ترتسم منها في نفوس الملائكة المدبرين ثم تنتسخ منها في الكتب و الألواح السماوية القابلة للمحو و الإثبات و هكذا إلى سماء الدنيا ثم تنزل من السماء إلى الأرض نجوما بحسب المصالح و الأوقات و هذا كما أن المتكلم يتفكر أولا و يخطر بباله و يحضر في خياله- صورة ما يريد أن يتكلم به و يظهره ثم يخرجه من حد الضمير بل حدود الضمائر المتفاوتة- و الغيوب المترتبة إلى حد الخارج و عالم الشهادة فكذلك صورة حكمة الله تعالى- و إظهار ما في مكامن علمه و مفاتيح غيبه و خزائن رحمته إذا خرجت من عالم الغيب إلى عالم الشهادة حتى نزلت إلى غاية النزول و نهاية تدبير الأمر كما قال تعالى تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَ السَّماواتِ الْعُلى و قال يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فعند ذلك أوان الشروع في الصعود و العروج إليه كما في قوله تعالى- إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [٢] و قوله إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ
[١] أي ذلك السير الدوري منها و بهذا السير الدوري ربما يرجح الذكر الجهري على الذكر الخفي حيث إنه إذا سمع السامعة ما لهج به اللسان يرجع إلى ما نشأ منه فيدور على نفسه على هيئة الكلمات التكوينية و إن كان الخفي أرجح من وجوه، س قده
[٢] أي الكلمات التامات من العقول البسيطة العالية في السلسلة الصعودية و العمل الصالح شريعة و طريقة يرفعها و المعنى المناسب للاستشهاد على مطلبه أن يراد بالكلم الطيب جميع الموجودات باعتبار أنها كلمات الله من حيث إنها كلماته و بجهاتها النورانية و المراد بالعمل الصالح حركاتها الجوهرية العرضية الاستكمالية و هذا بحسب العبادة التكوينية و قضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه فلا ينافي انتكاس بعضها بحسب التشريع، س قده