الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٤٣
و يستريحوا فصار النور و الظلمة على تضادهما متظاهرين على ما فيه صلاح قطان الأرض.
قيل و هاهنا نكتة كان الله يقول لو وقعت الشمس في جانب من السماء جنوبي أو شمالي فالغني قد يرفع بناءه على كوة الفقير فلا يصل النور إليه لكني أدير الفلك و أسيرها حتى يجد الفقير نصيبه كما وجد الغني نصيبه و أما ارتفاع الشمس و انحطاطها فقد جعله الله سببا لإقامة الفصول الأربعة كما مر ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر و النبات فيتولد منه مواد الأغذية و الثمار و تقوى أبدان الحيوانات بسبب احتقاق الحرارة الغريزية في البواطن و في الربيع يتحرك الطباع و يظهر المواد المتولدة في الشتاء و يتنور الشجر و يورق و يزهر و يهيج الحيوان للفساد- و في الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار و يتحلل فضول الأبدان و يجف وجه الأرض- و يتهيأ للعمارة و الزراعة و في الخريف يظهر البرد و اليبس فيدرك الثمار و تستعد الأبدان قليلا قليلا للشتاء و أما القمر فهو تلو الشمس و خليفتها و به يعلم عدد السنين و الحساب و يضبط المواقيت الشرعية للصلاة [١] و الصيام و الحج و منه يحصل النماء و الرواء و قد جعل الله في طلوعه و غيبته و تشكلاته البدرية و الهلالية مصلحة كثيرة لا يعلمها إلا هو.
قال الجاحظ إذا تأملت في هذا العالم الذي نحن الآن فيه وجدته كالبيت المعد فيه كل ما يحتاج إليه فالسماء مرفوعة كالسقف و الأرض ممدودة كالبساط و النجوم منضودة كالمصابيح و الإنسان كمالك البيت المتصرف فيه و ضروب النبات مهياة لمنافعه و صنوف الحيوان منصرفة في منافعه.
و إني أقول إذا تأملت في عالم السماء بعظمها و كثرة كواكبها وجدت بيتا معمورا [٢]
[١] كصلاة الخسوف و الكسوف و صلاة الليل فإذا كان القمر في أول الليل في الأفق- كان في منتصف الليل في وسط السماء و قس عليه الليالي الأخر و كذا كثير من الصلوات المسنونة- ميقاتها القمر كما لا يخفى على أهلها، س قده
[٢] مأخوذ من الأحاديث الشريفة أن البيت المعمور حقيقة بذكر الله و العلم بالله مقام نفوسها و هي في السماء أي في هيولاها و صورتها، س قده