الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٤١
أما تأملت يا عارف في ملكوت السماوات و ملكها و ما فيها من الكواكب و قوام جوهرها و إشراق نورها و طاعتها للباري في الحركات عشقا و شوقا إلى المبدع- أ ما تسمع كلام الله في تعظيمها و تعظيم النجوم في كتابه فكم من سورة ذكر فيها عظم أمر السماء و جلالة قدرها و كم أقسم بها في القرآن كقوله تعالى وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها و قوله وَ النَّجْمِ إِذا هَوى و قوله فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ثم أثنى على المتفكرين فيها وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و ذم المعرضين عن التدبر فيها وَ هُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ و جعلها سَقْفاً مَحْفُوظاً و رَفَعَ سَمْكَها و حفظها من ولوج الشياطين لكونها معبد الملائكة و موضع القدس و الطهارة و أهلها أهل التسبيح و التقديس لا يدخل مسجدهم الحرام [١] أرجاس الكفر و أوساخ الشرك من النفوس الخبيثة الشيطانية كما لا يدخل المشركون الأنجاس مساجد الأرض كما قال إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ فانظر إلى ملكوت السماء لترى عجائب العز و الجبروت و أطل فكرك في الملك فعسى أن ينفتح لك أبواب السماء فتدخل الجنة و تخرج إلى عالم النور من هذه الهاوية المظلمة فتجول بقلبك في أقطارها إلى أن تقوم بين يدي عرش الرحمن فعند ذلك نرجو لك أن تبلغ رتبة الأقصى- و لا يكون ذلك إلا بعد مجاوزتك عن مراتب العالم الأدنى
ثم الدلائل الدالة على شرف عالم السماء أكثر من أن تحصى
و كذا منافعها بالقياس إلى الإنسان.
فمنها ما أشار إليه سبحانه من أن خلقها مشتمل على حكم بليغة و غايات صحيحة
بقوله رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا و قوله وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا
و منها أن زينها بالمصابيح
لقوله وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ [٢] و بالقمر
[١] لا يمكنها الدخول هناك باعتبار أشخاصها و أشخاص موادها المتعصية المتباينة عن السماوية و إن أمكن لنوع النفوس الإنسانية و هكذا في كثير من الاستعدادات فقوله تعالى فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ في حقها نهي تسخير، س قده
[٢] التأويل أن النفوس القدسية لها السماوية العليا إلا أنها باعتبار التعلق بعالم الطبيعة سماء الدنيا بخلاف العقول لأن لها الترفع التام ذاتا و توجها فإن توجهها إلى فوقها فحسب حسبنا الله و نعم الوكيل و تزيينها بالمصابيح تنورها بنور العلم و صفاته و أفعاله و من أفعاله النفوس الكلية الإلهية هي الآيات الكبرى و رجمها للشياطين دفع الشكوك و الشبهات بنور البراهين، س قده