الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٢٦
و لو تدبرت تدبرا شافيا في كيفية تدبير النفس للبدن و حصول الألفة و العلاقة و شوق التصرف و التحريك و عشق المقارنة و ألم المفارقة بينهما مع أن البدن كالثقل الكثيف- و النفس كالنور اللطيف لقضيت العجب [١] و قلت كيف يتصور الازدواج بين النور و الظلمة و الايتلاف بين المجرد و المادي و بين العلوي الذي قال تعالى تعظيما لشأنه- وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا و قال إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ و السفلي المشار إليه بقوله إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ إذ بينهما من المخالفة و المنافرة في الماهية ما لا يخفى على صاحب الروية و جل الخلق بل كلهم إلا النادر منهم غافلون بل منكرون لهذه الارتباط و الاتحاد بينهما حتى أنكر أكثر المنتسبين إلى العلم تجرد النفس و ظن جمهور القائلين تجردها أن إنسانية الإنسان بصورة أخرى نوعية منطبعة في البدن يتحصل منهما حقيقة الإنسان و أما المشار إليه بأنا فهو المسمى بالنفس الناطقة و لها إضافة عارضة شوقية بالقياس إلى البدن لأنه موضوع أفاعيلها الجسمانية و هؤلاء بمعزل عندنا عن معرفة النفس و مقاماتها في الهبوط و الصعود- حسبما قررنا سابقا من أنها هي الجوهر المغتذي النامي المتحرك الساكن الآكل الشارب اللامس الشام الذائق فانظر في حكمة الصانع كيف كثف اللطيف [٢] لا بل لطف الكثيف بحسن تدبير فخلق من زبدة العناصر البدن الكثيف المخلوق من مادة النطفة
[١] و لهذا و أمثاله حين سئل بعض العرفاء السياحين هل رأيت شيئا عجبا في هذه الأسفار المتطاولة و الأزمنة المتمادية التي تضرب في الأرض قال لم أر أعجب من نفسي، س قده
[٢] أي صور المعنى فتمثل الروح الأمري صورة مثالية أولا ثم صورة طبيعية مختلطة بالمادة ثانيا كهواء صرف يضربه الصر فيغيم غيما رقيقا لم يكن مادته إلا الهواء الصرف ثم يغيم غيما غليظا بمداخلة البخار في مادته و هذه الفقرة باعتبار الكينونة السابقة للروح حيث كان عقلا كليا بل كان في العلم الربوبي و باعتبار أن النفس متقدمة على البدن دهرا و ذاتا و شرفا و الفقرة الثانية أي تلطيف الكثيف بناء على ما هو التحقيق عنده من أن النفس- جسمانية الحدوث روحانية البقاء، س قده