الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٢٤
للفلك لمناسبة اللطافة و النورية و لو جاوره غيرها من العناصر تسخن بدوام حركته- فصار نارا و انضم إليها تسخين النار فاحترقت باقي العناصر و صار الكل نارا فانفسد الجميع و لما كانت العناية الأزلية اقتضت وجود نفوس ناطقة و غير ناطقة احتاجت إلى أبدان حيوانية و نباتية يغلب على أكثرها العنصر اليابس الذي بيبسه تتحفظ الصور و الأشكال- وجب أن يكون الأرض باردة يابسة متماسكة الأجزاء ليجاورها الحيوان و النبات الغالب عليهما عنصرها و يجب أيضا لما ذكرنا من الحكمة أن لا يكون الماء محيطا بالأرض إحاطة تامة لاحتياج أكثر الحيوان و النبات لاستنشاق الهواء و جذبه ثم جعل الهواء مجاورا للنار لمناسبتها في الحر و الميعان و جعل الماء متوسطا بين الهواء و الأرض- لمناسبة الهواء في الميعان و مناسبة الأرض في البرد لئلا يبطل العدل.
ثم انظر لو لم يكن طبقات الأجرام التي فوق الأرض من العناصر و الأفلاك شفافة بل ملونة لوقفت أضواء الكواكب على سطوحها أو انعكست إلى ما فوقها و ما وصلت إلى عالم الكون و الفساد فبقي أهل هاوية الهيولى في ظلمة لا أوحش منها فجعلت الكواكب مضيئة- و الأفلاك و باقي العناصر شفافة و لو كانت العناصر كلها قابلة للنور اشتد الحر فيها و قوي إلى حد- يؤدي إلى إحراق ما في هذا العالم كله
الفصل (١٢) في ذكر أنموذج من آثار عنايته في خلق المركبات
أ لم تر يا عارف إلى ربك كيف خلق للعنصريات حرارة هي محللة ملطفة محركة- و برودة مسكنة غاقدة و رطوبة قابلة للتشكل و التقسيم و يبوسة حافظة لما أفيد من التصوير و التقويم و كيف ركب المواليد من امتزاج كيفيات العناصر و أعد لكل كمال مزاجا خاصا و أفاض على كل مستعد ما يستحقه من الكمال و لم يقتصر له على هذا بل زاده من الإفضال ما يهتدي به إلى الثواني من الكمالات و الغايات و بذلك يقع الارتفاع في القوس الصعودي إلى الدرجات و لذلك قال رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى فانظر لما كانت أجساد النبات و الحيوان لم يحصل إلا و يلزمها قبول التحليل كيف رتب لها قوة غاذية