الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٢٣
الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ الآية ثم قال قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً- إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَ فَلا تُبْصِرُونَ.
و لما كان القمر نائبا للشمس خليفة لها في النضج و التحليل إذا كان قوي النور جعل مجراه يخالف مجراها في الصيف و الشتاء شمالا و جنوبا فالشمس تكون في الشتاء جنوبية و القمر شماليا لئلا ينعدم السببان و في الصيف بعكس ذلك لئلا يجتمع المسخنان- و لما كانت الشمس شمالية الحركة صيفا جنوبيتها شتاء جعل أوجها أعني أبعد إبعادها عن الأرض في الشمال و حضيضها و هو أقرب إبعادها في الجنوب ليخبر قرب الميل ببعد المسافة لئلا يشتد التسخين و التنوير و ينكسر بعد الميل بقربها لئلا يضعف القوة المسخنة عن التأثير فانظر كيف جعل الكواكب مع حركة الكل السريعة حركات أخرى بطيئة- تميل بها إلى شمال و جنوب على مدارات متفاوتة في العظم و الصغر و السرعة و البطوء و القرب و البعد من الأرض بحسب أوجائها و حضيضاتها و لأجل اختلاف أحوالها المنفعة الكائنات و غرض النظام قال الله تعالى وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ* أي بما يقتضي حركاتها طالعة و غاربة و شمالية تارة و جنوبية أخرى و كذلك أوجيه مرة و حضيضيه أخرى و غير ذلك من أحوال الكواكب كالرجوع و الإقامة و الاستقامة و كونها في بيوتها التي لها و وبالها و شرفها و هبوطها و كونها بطبيعة كل برج وقعت فيه من الثابتة و المنقلبة و ذوات الجسدين و أمثال ذلك مما هو مذكور في كتب الأحكاميين على الإجمال- و لا يحيط بتفاصيله إلا الباري جل ذكره و ملائكته المقربين الذي هم الأنوار العقلية و الأشعة الإلهية.
ثم أ ما تأملت أيها الناظر البصير في ملكوت السماوات و ما فيها من خلق أرواح الأفلاك و نفوس الكواكب و قوام جوهرها و إشراق نورها و طاعتها للباري و دئوبها في الحركات على الدوام عشقا و شوقا إلى بارئها و مبدعها.
ثم من عجائب الحكمة و غرائب اللطف و الرحمة حسن ترتيب العناصر و جعل الأرض في وسط الكل لمناسبة الكثافة و الظلمة للبعد عن أفق النور و لأنها لو كانت مجاورة للأجرام العلوية لاحترقت بشدة تسخين الحركة الدائمة و لأنها على تقدير بقائها هناك- ما كان يمكن أن يتكون عليها حيوان و لا ينبت منها نبات و جعل النار مجاورة