الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٢٢
صورية بها يقع استعدادات مادية غير متناهية تلحق من فاعل غير متناهي التأثير إلى قابل غير متناهي القبول ليوجب ذلك إفاضة الخيرات و فتح أبواب البركات على الدوام من غير انقطاع كما في قوله تعالى وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها و إذا لم يكن الفاعل القيوم على الغيب بضنين فيحصل الفيض منه على كل قابل مستعد بحسب استعداده حتى أن النمل الصغار و الضب و السوسمار مع حقارتها لو كانت مستعدة لقبول نفس ناطقة وجب أن يفاض عليها.
و قد علمت أن أشرف ما يتعلق بالهيولى و الأجسام إنما هي النفوس الناطقة التي لا يمكن خروج جميع ما يمكن منها من القوة إلى الفعل دفعة واحدة لا مع الأبدان لاستلزامه لا تناهي الأبعاد و الأجرام و لا بدونها لكونها متعلقة الذوات بها حدوثا فبحسب استعداد الهيولى استعدادات غير متناهية في الأدوار و الأكوار يقبل فيض النفوس من العقل المفارق إلى غير النهاية ثم يرجع منها ما كملت إلى العالم العقلي و الوطن الأصلي و ما لم تكمل تلبث في بعض طبقات البرازخ و المقابر المثالية أزمانا طويلة أو قصيرة- و أحقابا كثيرة أو قليلة بحسب كثافة الحجاب و رقته و بحسب كثرة الجرائم و قلتها.
ثم انظر أيها المتأمل الطالب لمعرفة الله و ملكوته من ملاحظة أحوال العلويات و أوضاعها لانتفاع السفليات من أنها لو كانت كلها نيرات لأفسدت بإحراق أضوائها مواد الكائنات كلها و لو كانت عرية عن النور بالكلية لبقي ما دون الفلك في ظلمة شديدة و ليل مظلم طويل لا أوحش منه و كذا لو ثبت أنوارها أو لازمت دائرة واحدة- لأثرت بإفراط فيما قابلها و تفريط فيما وراء ذلك و لو لم يكن لها حركة سريعة لفعلت ما يفعله السكون و اللزوم و لو لم يجعل الأنوار الكوكبية ذوات حركة سريعة مشتركة و أخرى بطيئة مختصة و لم يجعل دوائر الحركات البطيئة مائلة عن مدار الحركة السريعة لما مالت إلى النواحي شمالا و جنوبا فلم تنتشر منافعها على بقاع الأرض و لو لا أن حركة الشمس خصوصا على هذا المنوال من تخالف سمتها لسمت الحركة السريعة لما حصلت الفصول الأربعة التي بها يقع الكون و الفساد و يصلح أمزجة البقاع و البلاد و إلى هذا المعنى أشار الكتاب الإلهي [١] قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ
[١] بتأويل معنى الليل و النهار إلى ما هو أعم من معناهما المتعارف حتى يشمل انطباق مدار حركة الكواكب على مدار الحركة السريعة أو أن الآية تمثيل للسابق و تنظير لللاحق، س قده