الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٠٢
الحيوانات أنقص و أدون من رتبة النفس الإنسانية جعلت خادمة و مسخرة للناطقة و على هذا الحكم و القياس لما كان في بعض الحيوانات ما هو أتم خلقة و أكمل صورة جعلت النفوس الناقصة منها خادمة و مسخرة للتامة الكاملة منها و جعلت أجسادها مادة و غذاء الأجساد التامة منها و سببا لبقائها لتبلغ إلى أتم غاياتها و أكمل نهاياتها إذ كان هيولى الأشخاص دائما في السيلان و الذوبان.
فقد تبين بما ذكرنا العلة الموجبة في أكل الحيوانات بعضها بعضا و أما الحكمة الغائبة فيه فهي أن الباري الحكيم جل ثناؤه لما خلق الأشياء الكونية إما لجر منفعة أو لدفع مضرة عن الحيوانات لم يترك شيئا بلا نفع و لا فائدة فلو لم يجعل جثث الحيوانات غذاء لهذه الأجساد لكانت تلك الجيف باطلة بلا فائدة و لا عائدة و كان يعرض منها ضرر و هلاك كلي كما ذكر قبل ذلك و أما الآلام و الأوجاع التي تعرض عند الذبح و القتل- و القبض فقد مر أن الحكيم عز شأنه لم يجعل ذلك تعذيبا و عقوبة لنفوسها على ذنوب- سلفت منها كما ظنه التناسخية بل حثا لنفوسها على حفظ أجسادها من الآفات و عدم تهاونها بالأجساد و تسليمها إلى المهالك إلى أجل معلوم.
فإن قلت ما العلة في محبة الحيوانات الحياة و كراهيتها للممات.
قلنا لعلل شتى إحداها أن الحياة تشبه البقاء و الممات الفناء و البقاء محبوب- و الفناء مكروه في طباع الموجودات إذ كان البقاء قرين الوجود و الفناء قرين العدم- و الوجود و العدم متقابلان و الباري عز شأنه لما كان علة الموجودات و هو باق أبدا صارت الموجودات كلها تحب البقاء و تشتاق إليه لأنه صفة لعلتها و المعلول يحب علته و صفاتها و يشتاق إليها و يتشبه بها فمن أجل هذا قال الحكماء بأن الواجب بالذات هو المعشوق الأول [١] المشتاق إليه سائر الخلائق كما ستطلع على بيانه إن شاء الله.
[١] أي في الواقع و أما في نظر المشتاق و بحسب استشعاره و منه المزية و الكمال أو الدناءة و الوبال فإن لم يستشعر بأن المطلوب ما هو و نعت من هو و لا أقل مظهر أي ظاهر هو كان له الخسران حيث حصر النور المطلق و البهاء المحض و إضافة إلى القابل و هو غافل عن المعنى مشغول بالصورة غير متدلية بحقيقة المعنى و هذا النظر مثار الكثرة و عند ظهور الحقيقة و اضمحلال المجازات كما قال تعالى وَ قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ و قال إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَ وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ و قال وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ يبقى صفر الكف و يقول يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، س قده