الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٠١
حكمة أخرى
لو لم يكن الأحياء تأكل جثث الموتى لبقيت تلك الجثث و اجتمع منها على ممر الأيام و الدهور حتى كان يمتلي بها وجه الأرض و قعر البحار و يفسد الهواء من ريحها فيصير تلك سببا للوباء و هلاكا للأحياء فأي حكمة أكثر من هذه إذ جعل الباري سبحانه في أكل الحيوانات بعضها بعضا جر منفعة الأحياء و دفع المضرة عنها كلها و إن كان ينال بعضها الآلام و الأوجاع عند الذبح و القتل و القبض و ليس قصد القاتل و القابض إدخال الألم و الوجع عليها بل جلب المنفعة منها أو دفع المضرة بها- و اعلم أن الباري الحكيم جل ثناؤه لما أبدع الموجودات و رتب المخلوقات- قسمها قسمين أحدهما إبداعي و الآخر خلقي و رتب الجميع و نظمها كان بترتيبه للكليات الإبداعية بأن جعل الأشرف علة لوجود الأدون و سببا لبقائه و متمما له و مبلغا إلى أقصى غاياته و أكمل نهاياته و جعل حكم الجزئيات الخلقية بالعكس منها [١] و ذلك أنه رتبها في الوجود من أدون حالاته إلى أشرفها و أكملها و جعل الناقص منها علة للتمام و سببا لبقاء الكامل و الأدون خادما للأشراف و معينا له و مسخرا له.
و بيان ذلك أن النبات الجزئي لما كان أدون رتبة من الحيوان الجزئي و أخس حالة منه جعل جسم النبات غذاء لجسم الحيوان و مادة لبقائه و جعل النفس النباتية في ذلك خادمة
طاعت روحانيان أز بهر تست
خلد و دوزخ عكس لطف و قهر تست
[٢] للنفس الحيوانية و مسخرة لها و هكذا أيضا لما كانت رتبة نفوس
[١] العكسية في مطلقة العلية لأنها في عالم الأمر فاعلية و في عالم الخلق قابلية و أيضا قوامية، س قده
[٢] فإن النفس النباتية لا تزال بقواها تنمي مادة نفسها و تغذيها و تسمنها و تصلح مزاجها و كيفياتها من طعمها و رائحتها و غير ذلك لتغذيها لمادة النفس الحيوانية و كذا النفس الحيوانية بالنسبة إلى النفس الإنسانية فإن الحيوانية لا تزال بقواها تصلح مادة نفسها بل بقواها الحساسة و المحركة تتفقد و تتجسس الملائمات و تتحرز عن المنافرات ليتقي مادتها- كيما تدخل عتبة بابك و حريم جنابك و إلى هذا أشار العطار-
طاعت روحانيان أز بهر تست
خلد و دوزخ عكس لطف و قهر تست
، س قده