الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٠٠
لها إذ كانت الأجساد لا تقدر على جر منفعة و دفع مضرة فلو لم يكن ذلك لتهاونت النفوس بالأجساد و خذلتها و أسلمتها إلى المهالك قبل فناء أعمارها و تقارب آجالها- و لهلكت كلها دفعة واحدة في أسرع مدة فلهذه العلة جعلت الآلام و الأوجاع للحيوان- دون النبات و جعل فيها جبلة الدفع إما بالحرب و القتال و إما بالهرب و الفرار و التحرز لحفظ أنفسها من الآلام العارضة إلى وقت معلوم فإذا جاء أجلها فلا ينفعها الهرب و القتال و لا التحرز بل لا بد من التسليم و الانقياد و إن كان ينالها بعض الآلام و الأوجاعو إذ قد ذكرنا هذه المقدمة فنقول الآن إن الباري تعالى لما خلق أجناسا من الحيوانات الأرضية و علم بأنه لا يدوم بقاؤها أبد الآبدين جعل لكل منها عمرا طبيعيا أكثر ما يمكن ثم يجيئه الموت الطبيعي إن شاء أو أبى و قد علم الله تعالى بأنه يموت كل يوم منها في البر و البحر و السهل و الجبل عدد لا يحصيه إلا هو سبحانه فجعل بواجب حكمته
بشير شرزه كردى حمله تعليم
بآهوى ختن دادى دويدن
[١] جثث جيف موتاها غذاء لأحيائها و مادة لبقائها لئلا يضيع شيء مما خلق بلا نفع و فائدة- و كان هذا منفعة للأحياء و لم يكن فيه ضرر على الموتى.
[١] إن قلت لم يعلم من هذه الحكمة و لا مما يأتي وجه أكل جثث أحيائها قلت بل علم بانضمام ما ذكر أولا أن النظر في طلب العلة لا بد أن يكون كليا و أن الغرض النفع الكلي و الصلاح العام فلا مبالاة بالحث بالعرض على أكل جثث الأحياء المتشابهة بالموتى في جنب الحث على حفظ الأجساد و كلاءتها و الحث على أكل الجيف المقصودين في العناية بالذات مع أنها أعطتها الحزم و الفراسة و آلات الحرب و الهرب كما قيل-
بشير شرزه كردى حمله تعليم
بآهوى ختن دادى دويدن
فانظروا يا أولي الأبصار أن ما فعله الصانع الحكيم تعالى شأنه في هذا العالم موطن الديدان و دار التغالب و التنازع و الحدثان بحيث وجه كلا شطر مقصوده و وفى حقه و غرضه الحقيقي في طريق الوصول إلى فناء معبوده هو التام الكامل و الجيد الفاضل حقا يبهر العقول حسن صنعه و يدهش الألباب جودة تنظيمه، س قده