رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٣٩٥
وما زال الأمر على ذلك في العراق وفي جبال الديلم مدّة تلك الدولة بفضل اعتقاد ملوكها وتدبير من وزرائها مثل الصاحب بن عبّاد، وأعان على ذلك شدّة وطأة الملوك العلويّة الإسماعيليّة بالمغرب ومصر، الذين جعلوا يوم عاشوراء - في كلّ مكان لهم سلطان عليه ـ يوم حزن تتعطّل فيه الأسواق وتترك فيه الزينة وتقام فيه مآتم العزاء لسيّد الشهداء، في مدّة تزيد على مائتي عام.
وكان البذر الذي ألقته الأئمّة عليهم السلام في قلوب الشيعة ما اخضر نباته إلاّ يومئذ، وما زال ينمو غراسه ويتأصّل في القلوب شيئا فشيئاً، حتى في زمن ملوك المغول المتوحّشين، الذين أكثروا من القتل في الأرض نحو هولاكوخان، والسلطان محمّد خدا بنده الذي تمّت مآتم على يده لعلماء الشيعة الذين كانت الحلّة السيفيّة مغرسهم، وذلك في حدود سنة ٧٠٠ هـ .
والخلافة العباسية منقرضة يومئذ، وكانت من قبل ذلك في مدّة أربعمائة عام تقريباً اسميّة فقط، وما كانت التذكارات الحسينيّة حينئذ إلاّ مآتم يقرأ فيها نحو كتاب المقتل، تأليف أبي مخنف، وهو من أكابر المحدّثين الذين تلقّى منه ابن جرير الطبري وغيره مقتل الحسين، أو كتاب الإرشاد للشيخ المفيد، أو كتاب اللهوف لابن طاووس، وبضع قصائد انفرد الشعراء من أهل الحلّة خاصة بإنشائها ولم تعرف لغيرهم يومئذ قصيدة قط.
حتى إذا تسنّم عرش الملك (ملوك الصفويّة)، وهم علويّون موسويّون، تفنّنوا بإظهار ضروب الحزن على جدّهم الأعلى الحسين بن علي عليهما السلام فأحدثوا تمثيل فاجعته لعيون الملأ في يوم عاشوراء بأمر وإشارة وبتقرير وإمضاء من العلاّمة الفاضل المجلسي صاحب كتاب بحار الأنوار أعلى الله درجته، وذلك بعد الألف من الهجرة في أواسط المائة الحادية عشر زمن السلطان الحسين بن سليمان الصفوي.
والتمثيل يومئذ في دور نشأته حتى بلغ إلى ما هو عليه الآن، وقد أتى عليه