رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٢٦٠
وما ضرّ المسلمين أن يسفحوا قليلاً من دمائهم على أبدانهم مواساة ً لتلك الأبدان الطاهرة، التي تضرّجت بدمائها فداءً لقضيتّهم وخدمة لمصلحتهم؟
أو ليس من الجفاء الممقوت أن يتحمّل أولئك الشهداء في سبيل أمّتهم كلّ تلك المصائب والنوائب، ولاتتحمّل هي في سبيلهم ما يريق من أبدانها ملء محجمة دماً؟!
ولئن احتجّ المانع عنه بكونه إضراراً بالنفس، فإنّ جُلّ أولئك الذين يدمون رؤوسهم بحدّ السيف لايعترفون له بتلك الحجّة، وإن شاء فليحفهم السؤال وليستخبرهم الحال، فسوف لايجد بينهم إلاّ منكراً للضرر، أو مدّعياً للانتفاع.
ولا غرو، فإنّ كثيرين في الناس، من لاتستقيم صحّتهم إلاّ بإسالة كمية وافرة من دمائهم، وربما أسالوا منه في السنة أكثر من مرّة واحدة.
على أنّ الإضرار بالنفس في سبيل مواساة ذلك الإمام الشهيد ممّا تحمّله كثير من أكابر رجال هذا الدين، ومنهم العبّاس ابن أمير المؤمنين عليهما السلام، وهو أفضل أولاد أبيه بعد أخويه الحسنين، فإنّه بعد أن اخترق بسيفه صفوف أهل الكوفة، ووصل المشرعة من شطّ الفرات، وكان قد أخذ منه العطش مأخذاً لايوصف، مدّ يده إلى الماء فاغترف منه غرفة، فلمّا أدناها من فمه ليشرب، ذكر عطش أخيه الحسين وأهل بيته، فرمى الماء من يده، وقال: ياماء لاذقتك وأخي الحسين وعياله عطاشى[١].
إذاً، فما يمنع سائر أفراد المسلمين من قبول الضرر على أنفسهم في سبيل تلك المواساة، بعد أن قبله على نفسه مثل ذلك الرجل الكبير، أعني العبّاس بن
[١] لم نعثر على هذا النصّ بخصوصه وهناك نصّ مشابه له في ينابيع المودّة وهو: «واللّه لا أذوق الماء وأطفاله عطاشى و...» ينابيع المودّة ٣: ٦٧، مقتل العبّاس.