رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٣٢١
فكأنّهم عليهمالسلام رأوا أن تلك التذكارات الحسينية هي التي توجب بقاء الناس على مرور الأزمان على الاعتقاد بإمامتهم، ووافر فضلهم وعصمتهم، ومظلوميتهم من الخلفاء في كلّ عصر من أعصارهم، وذلك روح التشيّع.
أنا لا أشكّ أنّ تلك المجالس والمجتمعات نوادي غيردينيّة، ألبستها الأئمّة الأطهار عليهمالسلام - بواسع علمهم وبُعد نظرهم للمستقبل- لباساً مذهبياً؛ لأنّها السبب الوحيد لاجتماع كلمة الشيعة ورسوخ عقائدهم وبقاء ذكرهم الجميل بكلّ معانيه للأئمّة فيما بينهم.
وتلك نكتة مستورة عن جميع المسلمين، حتّى عن الشيعة أنفسهم، فإنّهم لا يتصوّرون هذه الفائدة من عملهم، بل قصدهم الثواب الأخروي فقط.
لكن بما أنّ كلّ عمل لابدّ أن يظهر له بطبيعته أثر، فهذه المجالس بما يحدث فيها من إظهار مظلوميّة آل محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم تُثمر تلك الثمرات للشيعة من حيث لايشعرون.
إليك فانظر ماذا يضرّ المتوكّل العبّاسي - في كونه ملكاً وخليفة من ولد العبّاس عمّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم - من أنّ طائفة من المسلمين تزور قبر الحسين عليهالسلام، وهوابن عمّه، حتّى يمنع عن زيارته ويوجّه إليه الفعلة، يأمرهم بحرثه وإجراء الماء عليه[١].
[١] قال الطبري في تاريخه «تاريخ الأمم والملوك» ٩: ١٨٥ في أحداث سنة ٢٣٦ ه : «وفيها أمر المتوكّل بهدم قبر الحسين بن علي، وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأن يحرث ويبذر ويسقى موضع قبره، وأن يمنع الناس من إتيانه. فذكر أنّ عامل صاحب الشرطة نادى في الناحية: من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة بعثنابه إلى المطبق. فهرب الناس، وامتنعوا من المصير إليه، وحرث ذلك ا لموضع، وزرع ما حوله».
وقال ابن الأثير في تاريخه «الكامل في التاريخ» ٧: ٥٥ ـ ٥٦ في أحداث سنة ٢٣٦ ه أيضاً، بعد نقله لعبارة الطبري المتقدّمة:
«وكان المتوكّل شديد البغض لعليّ بن أبي طالب عليهالسلام، ولأهل، بيته، وكان يقصد من يبلغه عنه أنّه يتولّى عليّاً وأهله بأخذ المال والدم.
وكان من جملة ندمائه عبّادة الُمخنَّث، وكان يشدّ على بطنه تحت ثيابه مخدّة، ويكشف رأسه، وهو أصلع، ويرقص بين يدي المتوكّل، والمغنّون يغنّون: قد أقبل الأصلع البطين، خليفة المسلمين، يحكي بذلك عليّاً عليه السلام، والمتوكّل يشرب ويضحك.
ففعل ذلك يوماً، والمنتصر حاضرٌ، فأومأ إلى عبادة يتهدّده، فسكت خوفاً منه.
فقال المتوكّل: ما حالك؟
فقام وأخبره.
فقال المنتصر: يا أمير المؤمنين إنّ الذي يحكيه هذا الكاتب، ويضحك منه الناس، هو ابن عمّك، وشيخ أهل بيتك، وبه فخرك، فكُل أنت لحمه إذا شئتَ، ولا تُطعم هذا الكلب وأمثاله منه!
فقال المتوكّل للمغنّين: غنّوا جميعاً:
غار الفتى لابن عمّه رأس الفتى في حِرِ أمّه
فكان هذا من الأسباب التي استحلّ بها المنتصر قتل المتوكّل.
وقيل: إن المتوكّل كان يبغض من تقدّمه من الخلفاء: المأمون، والمعتصم، والواثق في محبّة علي وأهل بيته ؛ وإنّما كان يُنادمه ويجالسه جماعة قد اشتهروا بالنصب والبغض لعليّ، منهم: علي بن الجهم الشاعر الشاميّ من بني شامة ابن لؤي ؛ وعمر بن فرح الرخجيّ، وأبو السمط من ولد مروان بن أبي حفصة من موالي بني أُميّة، وعبد اللّه بن محمّد بن داود الهاشميّ المعروف بابن أترجّة.
وكانوا يخوّفونه من العلويّين، ويشيرون عليه بإبعادهم، والإعراض عنهم، والإساءة إليهم، ثمّ حسّنوا له الوقيعة في أسلافهم الذين يعتقد الناس علوّ منزلتهم في الدين، ولم يبرحوا به حتّى ظهر منه ما كان، فغطّت هذه السيّئة جميع حسناته، وكان من أحسن الناس سيرةً، ومنع الناس من القول بخلق القرآن إلى غير ذلك من المحاسن».