رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٣٧٢
وهذا بظاهره من غرائب الأخبار، فإنّ العيون لاتسيل دموعها دماً، ولذلك كنت أحتمل وقوع التحريف فيه، وأنّ الصحيح (دمعاً) بدل (دماً)، لكنّي وجدت المخطوط والمطبوع من الجلاء وغيره كما هو مرويّ فيه.
وعليه فأقرب توجيهاته أن يقال: إنّ العيون وإن لم تبك دماً، لكنها لكثرة البكاء والاحتراق تتقرّح أجفانها، فإذا اشتدّ البكاء تنفجر القروح دماً يمتزج بالدموع، فهو إذا سال في الإناء يسيل كأنّه دم، ويصدق حينئذ أن يقال: يملأ الإناء دماً.
وإذا ساغ للسجاد(عليه السلام) أن يسيل الدم باختياره من عضو من أعضائه ببكاء الدم أو بتقريح الجفن جزعاً وهلعاً على رزيّة الحسين(عليه السلام)، فما هو إذاً شأن ما يصدر من الشيعة من ضرب السلاسل والقامات؟!
وهل سيلان دمّ السجّاد في الإناء أهون من انتثار قطرات من دم رأس الجريح على ثيابه حزناً على تلك الفادحة العظيمة؟!
ثمّ أقول: بهذا الاعتبار أيضاً - مضافاً إلى ما سلف من قوله(عليه السلام): «على مثله تلطم الخدود وتشقّ الجيوب»[١]- يرفع الاستبعاد عمّا روي في الكتب من أنّ عقيلة آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) في موارد عديدة لطمت وجهها وشقّت جيبها وصاحت ودعت بالويل والثبور[٢].
[١] التهذيب ٨: ٣٢٥ حديث١٩٩.
[٢] في وقعة الطفّ لأبي مخنف الغامدي الأسدي: ٢٢٩ - ٢٣٠ - وعنه في تأريخ الطبري ٥: ٤٢٠ :
عن علي بن الحسين بن علي(عليه السلام) قال: «إنّي جالس في تلك العشية التي قُتل أبي صبيحتها، وعمّتي زينب عندي تمرّضني، إذ اعتزل أبي بأصحابه في خباء له، وعنده حُويّ مولى أبي ذر الغفاري، وهو يعالج سيفه ويصلحه، وأبي يقول:
| يا دهر أفّ لك من خليل | كم لك بالإشراق والأصيل |