رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٢٠٤
وضعفه ظاهر عند أولي البصائر:
أمّا أوّلاً: فلأنّه لا دليل على حرمة كلّ عبث.
وأمّا الثاني: فلأن عدّ ذلك عبثاً يلحق قائله بأهل السوداء، ضرورة أنّ من أعظم ما تداول بين العقلاء عند إرادة إفهام شخص كُنه أمر معقول أو منقول، وهو تجسيم ذلك المعقول أو المنقول، حتّى يسارع الطرف الآخر إلى تلقّيه بالقبول، ولا تناله يد الإنكار من معاند أو مغفول.
وذلك أنّ مَن عدا نادر من كملي العقلاء لا يصلون إلى حقيقة الأمر إلاّ بالإحساس بالبصر، ولذا صار من السائر من المثل أنّه: «ليس البيان كالعيان» من حيث إنّ القوة الباصرة أقوى القوى المدركة، فكلّما أراد إفهامه على حقيقته لبسوه لباس التشخّص الخارجي وأخرجوه إلى برج العيان، حتّى يسهل للعموم فهمه وإدراكه والنيل إلى كنهه وعمقه.
ولذا ترى أنّ أهل الهيئة صنعوا كرة من صفر، ورسموا عليها البروج السيّارات ؛ ليسهل تعليم المبتدئ مطالب الهيئة.
بل اللّه سبحانه لمّا أخبر آدم عليهالسلام بوقعة الطّفّ، وأراد إفهامه حقيقتها، صوّر له ثالاً[١].
[١] بحار الأنوار ٤٤: ٢ الحديث ٤٤ باب «إخبار اللّه تعالى أنبياءه ونبينا صلى اللّه عليه وآله شهادته» وفيه: وروى صاحب الدر الثمين في تفسير قوله تعالى: «فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ»البقرة(٢:٣٧) أنّه رأى ساق العرش وأسماء النبيّ والأئمة عليهم السلام، فلقّنه جبرئيل قل: «يا حميد بحقّ محمّد، يا عالي بحقّ علي، يا فاطر بحقّ فاطمة، يا محسن بحقّ الحسن والحسين ومنك الإحسان».
فلّما ذكر الحسين سالت دموعه وانخشع قلبه، وقال: «يا أخي جبرئيل، في ذكر الخامس ينكسر قلبي وتسيل عبرتي»؟
قال جبرئيل: ولدك هذا يُصاب بمصيبة تصغر عندها المصائب.
فقال: «يا أخي وما هي»؟
قال: يقتل عطشاناً غريباً وحيداً فريداً، ليس له ناصر ولا معين، ولو تراه يا آدم وهو يقول: واعطشاه واقلّة ناصراه، حتّى يحول العطش بينه وبين السماء كالدخان فلم يجبه أحد إلاّ بالسيوف، وشرب الحتوف، فيذبح ذبح الشاة من قفاه، وينهب رحله أعداؤه، وتشهر رؤوسهم هو وأنصاره في البلدان ومعهم النسوان، كذلك سبق في علم الواحد المنّان، فبكى آدم وجبرئيل بكاء الثكلى.