رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٣١٩
وكان الرئيس الروحاني من أولاد الحسين عليهالسلام يومئذٍ،والمشارإليه من بينهم، والمطاع في الناس، هو أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق عليهالسلام، فآثر العزلة. وكذلك أبناؤه إماماً بعد إمام، وهم في خلال ذلك يلاقون ضروب الأذى والقتل والتنكيل.
ولكنّهم حفظوا ما قتل عليه جدّهم، بأمرهم شيعتهم - بدل الثورة - بالتذكارات الحسينية، بذكر مصائبه، فرادى وجماعات في جميع الأحوال، ونقل ما جرى عليه وعليهم من الفجائع من لدن قتله إلى أيامهم، والبكاء والإبكاء والتباكي لما أصابهم.
وبالغوا في الإطناب بذكر ثواب ذلك إلى حدّ هو فوق التصوّر؛ لأنّهم رأوا أنّ ذلك هو اليد القوية في إحكام الرابطة بين أفراد الشيعة، وتميّزهم عمّن سواهم من الشيع[١].
كما أنّ الثورات الدمويّة أوجبت تميّزهم عن شيعة بني أميّة، وحفظت عقائدهم لذلك الوقت، وعلى ذلك من الشواهد التاريخية ماتضيق عنه الرسالة.
ثمّ أنّهم عليهمالسلام - بمزيد لطفهم وواسع علمهم - حفظوا تلك المجتمعات، وحافظوا على الأفراد والجماعات من الشيعة، بتشديد الأمر عليهم بالاتّقاء والتستر، حتّى نفوا اسم الدين عن غير المتّقي[٢].
وهذه المجتمعات - المأمور بها منهم ببيانات مختلفة والمنعقدة عندهم في منازلهم - هي ما نسمّيها اليوم «المآتم» و«مجالس العزاء».
[١] أي الفرق والجماعات الأخرى. انظر الصحاح ٣: ١٢٤٠ «شيع».
[٢] روى الشيخ الكليني بسنده عن الإمام الصادق عليهالسلام أنّه قال: «لادين لمن لاتقيّة له». انظر الكافي ٢: ٢١٧ ـ ٥٢١ باب التقيّة.