العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٩٧ - حديث عباس بن الأحنف
لا بدّ للعاشق من وقفة # تكون بين الهجر و الصرم [١]
حتى إذا الهجر تمادى به # راجع من يهوى على رغم
ثم وجهت بالكتاب إلى يحيى بن خالد، فدفعه إلى الرشيد، فقال: و اللََّه ما رأيت شعرا أشبه بما نحن فيه من هذا، و اللََّه لكأني قصدت به!فقال له يحيى: و أنت و اللََّه يا أمير المؤمنين المقصود به؛ هذا يقوله العباس[ابن الأحنف]في هذه القصة، فلما قرأ البيتين و أفضى إلى قوله:
راجع من يهوى على رغم
استغرب [٢] ضاحكا حتى سمعت ضحكه، ثم قال: إي و اللََّه، أراجع على رغم!يا غلام، هات نعلي. فنهض، و أذهله السرور عن أن يأمر لي بشيء؛ فدعاني يحيى و قال:
إن شعرك قد وقع بغاية الموافقة، و أذهل أمير المؤمنين السرور عن أن يأمر لك بشيء. قلت: لكن هذا الخبر ما وقع مني بغاية الموافقة! ثم جاء غلام فسارّه، فنهض و ثبت مكاني ثم نهضت بنهوضه؛ فقال لي: يا عباس، أمسيت أنبل الناس!أ تدري ما سارّني به هذا الرسول؟قلت لا. قال: ذكر لي أن ماردة تلقّت أمير المؤمنين لما علمت بمجيئه، ثم قالت: يا أمير المؤمنين، كيف كان هذا؟فناولها الشعر، و قال: هذا أتى بي إليك!قالت: فمن يقوله؟قال: عباس بن الأحنف. قالت: فيم كوفئ؟قال: ما فعلت شيئا بعد. قالت: إذا و اللََّه لا أجلس حتى يكافأ!قال: فأمير المؤمنين قائم لقيامها و أنا قائم لقيام أمير المؤمنين، و هما يتناظران في صلتك، فهذا كله لك. قلت: ما لي من هذا إلا الصلة!فقال: هذا أحسن من شعرك.
قال: فأمر لي أمير المؤمنين بمال كثير، و أمرت لي ماردة بمال دونه، و أمر لي الوزير بمال دون ما أمرت به!و حملت على ما ترون من الظّهر!ثم قال الوزير: من
[١] الصرم: الهجر.
[٢] استغرب في الضحك: اكثر منه و بالغ فيه.