العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٥٣ - خبر الجعدين
جمة البئر [١] ، و كنت منهم في خير أخوال؛ ثم إني عزمت على مواقعة إبلي بماء لهم يقال له الحوادث؛ فركبت يوما فرسي، و علقت معي شرابا أهداه إلي بعض الكلبيين، فانطلقت؛ حتى إذا كنت بين الحي و مرعى النعم، رفعت لي دوحة عظيمة، فقلت: لو نزلت تحت هذه الشجرة ثم تروّحت مبردا!ففعلت، فشددت فرسي ببعض أغصانها، ثم جلست تحتها، فإذا بغبار[قد]سطع من ناحية الحي، ثم تبينت، فبدت لي شخوص ثلاثة، فإذا فارس يطرد مسحلا [٢] و أتانا، فلما قرب مني إذا عليه درع أصفر و عمامة خز سوداء؛ فما لبث أن لحق المسحل فطعنه فصرعه، ثم ثنى طعنة للأتان، و أقبل و هو يقول:
نطعنهم سلكى و مخلوجة # كرك لأمين على نابل [٣]
فقلت له: إنك قد تعبت و أتعبت، فلو نزلت، فثنى رجله و نزل و شدّ فرسه ببعض أغصان الشجرة؛ ثم أقبل حتى جلس، فجعل يحدثني حديثا ذكرت به قول الشاعر:
و إنّ حديثا منك لو تبذلينه # جنى النحل في ألبان عوذ مطافل [٤]
فبينا هو كذلك، إذ نكت بالسوق على ثنيتيه، فما ملكت نفسي أن قبضت على السوط و قلت: مه!فقال: و لم؟قلت: إني خائف أن تكسرها؛ إنهما رقيقتان عذبتان.
قال: فرفع عقيرته و جعل يقول:
إذا قبّل الإنسان آخر يشتهي # ثناياه لم يأثم و كان له أجر
و قال: ما هذا الذي جعلت في سرجك؟قلت: شراب أهداه إليّ بعض أهلك.
فهل لك فيه؟قال: ما نكرهه إذا كره. فأتيته به، فوضعته بيني و بينه، فلما شرب منه شيئا نظرت إلى عينيه كأنهما عينا مهاة قد أضلت ولدها؛ ثم رفع عقيرته يتغنى:
[١] جمة البئر: ما جمّ منها و ارتفع.
[٢] المسحل: الحمار الوحشي.
[٣] سلكى: مستقيمة، لأمين: سهمين عليهما ريشهما.
[٤] عوذ: جمع عائذة و هي الناقة الحديثة العهد بالنتاج، و المطافل: التي جاءت بطفل.