العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٤٩ - هجاء أبي نخيلة لليمن
فأمر بحمير من حمر مكة التي للكراء فأرسلت، فصارت إلى منزله كما هي بغير دليل، فأعلمه بذلك أمناؤه، فقال: ما بعد هذا شيء، جرّدوه!فلما نظر إلى السياط قال: لا بد أصلحك اللََّه من ضربي؟قال: نعم يا عدوّ اللََّه. قال: و اللََّه ما في ذلك شيء هو أشدّ عليّ من أن يشمت بنا أهل العراق و يضحكون منا و يقولون: أهل مكة يجيزون شهادة الحمير!قال: فضحك الوالي و خلّى سبيله.
هنأ رجل رجلا في أعرابية. فقال: باليمن و البركة، و شدّة الحركة، و الظفر في المعركة.
وصف حمار:
الهيثم بن عدي قال: بينا أنا بكناسة الكوفة. إذا برجل مكفوف البصر قد وقف على نخاس يسوق الدواب، فقال له: أبغني حمارا لا بالصغير المحتقر، و لا بالكبير المشتهر، إذا خلا له الطريق تدفق، و إذا كثر الزحام توفق، و إن أقللت علفه صبر، و إن أكثرته شكر، و إذا ركبته هام، و إن ركبه غيري نام. قال له النخاس: يا عبد اللََّه اصبر، فإذا مسخ اللََّه القاضي حمارا أصبت حاجتك إن شاء اللََّه!
وصف فرس:
قال: و دخل رجل السوق في شراء فرس، فقال له النخاس: صفه لي. فقال:
أريده حسن القميص، جيّد الفصوص [١] ، وثيق العصب، نقي القصب، يشير بأذنيه و يتشوّف برأسه، و يخطر بيده، و يدحو [٢] برجليه، كأنه موج في لجة، أو سيل في حدور، أو منحطّ من جبل!فقال له النخاس: نعم، كذلك كان صلوات اللََّه عليه! قال: إنما أصف لك فرسا. قال: ما حسبتك إلا في وصف نبيّ منذ اليوم.
هجاء أبي نخيلة لليمن:
قال و دخل ابن نخيلة اليمن، فلم ير بها أحدا حسنا، و رأى نفسه-و كان قبيحا-
[١] الفصّ: ملتقى كل عظمين.
[٢] يقال: دحا الفرس: اي رمى بيديه رميا. لا يرفع سنبكه عن الأرض كثيرا.