العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٢ - زواج المأمون ببوران
فيه بالأمس، على مثل حالنا و أفضل، حتى إذا كان ذلك الوقت وثب قائما، ثم قال يا إسحاق، لا ترم [١] ، فإني أجيئك، و قد عزمت على الصبحة. فما هو إلا أن فارقني حتى تصوّر لي ما كنت فيه، فإذا هو شيء لا يصبر عنه إلا جاهل فنهضت. فقال لي الغلمان: اللََّه اللََّه. و إنه أنكر علينا تخليتك و طالبنا بك، و قال، لم تركتموه؟و لا نحسبك إلا تحب الإيقاع بنا. فقلت: و اللََّه لا نال أحدكم بسببي مكروه أبدا. و لكن أبادر بحاجتي، و اللََّه لا كان لي حبس و لا تريّث، و أمير المؤمنين أطال اللََّه بقاءه إذا دخل أبطأ، و أنا موافيكم قبل خروجه إن شاء اللََّه.
قال: فمضيت، فما شعرت إلا و أنا في الزقاق، فوافيت الزنبيل على ما كان عليه فأقعدت فيه و أصعدت، و صرت إلى الموضع[الذي كنت فيه البارحة]، فلم ألبث إلا هنيهة و إذا بها قد طلعت، فقالت: ضيفنا؟قلت: إي و اللََّه. قالت: أو قد عاودت؟قلت: نعم، و أظنّ أني قد أثقلت. فقالت: مادح نفسه يقرئك السلام فقلت:
هفوة، فمني بالصفح، قالت: قد فعلنا فلا تعد، قلت: إن شاء اللََّه.
ثم جلست، و أخذنا فيما كنا فيه من المذاكرة و الإنشاد و الشرب، و لم نزل على تلك الحال و أفضل، و قد أنست و انبسطت بعض الانبساط، و هي مع ذلك لا تزال تقول:
لو كنت على ما أنت عليه أحكمت من تلك الصنعة شيئا، لقد تناهيت و برعت.
فأقول: و اللََّه لقد حرصت على ذلك و جهدت فيه فما رزقته و لا قدرت عليه. ثم قلت: جعلت فداك، لا تخلينا مما كان من فضلك البارحة. فأخذت في الأغاني، و كلما مر صوت طيب قالت: أ تدري لمن هذا؟فأقول: لا!فتقول: لإسحاق! فأقول: و إسحاق هكذا في الحذق!فتقول. بخ إسحاق في هذا البيت بديع الصوت، و عميق الغناء. فأقول: سبحان اللََّه!لقد أعطي إسحاق هذا ما لم يعطه أحد!فتقول:
لو سمعت هذا منه لكنت أشدّ استحسانا له و كلفا به.
حتى إذا كان ذلك الوقت و جاءت العجوز، نهضت و ودعتها، و بادرت جارية ففتحت الباب فخرجت منه.
[١] لا ترم: لا تهم بشيء.