العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٥٥ - حارثة بن بدر في حرب الازارقة
الشراب، فدع النبيذ و كن أول داخل و آخر خارج. فقال حارثة: أنا لم أدعه للََّه، أ فأدعه لك؟قال: فاختر من عملي ما شئت. قال: ولني رامهرمز؛ فإنها أرض عذية [١] ، أو سرّق؛ فإن بها شرابا وصف لي عنها. فولاه إياها، فلما خرج شيعه الناس، و كتب إليه أنس بن أبي أنيس:
أ حار بن بدر قد وليت ولاية # فكن جرذا فيها تخون و تسرق
و لا تحقرن يا حار شيئا تخونه # فحظك من ملك العراقين سرّق
و بار تميما بالغنى إنّ للغنى # لسانا به المرء الهيوبة ينطق [٢]
فإنّ جميع الناس إمّا مكذّب # يقول بما يهوى و إمّا مصدّق
يقولون أقوالا و لا يعلمونها # و لو قيل يوما حققوا لم يحقّقوا
وقّع حارثة في أسفل كتابه: لا بعد عنك الرشد.
حارثة بن بدر في حرب الازارقة
و لما خرجت الازارقة على اهل البصرة، لاقاهم حارثة بن بدر و تولى حربهم في أصحابه من فرسان بني يربوع، حتى أصيب في تلك الحروب. و قال فيه الشاعر:
فلولا ابن بدر للعراقين لم يقم # لما قام فيه للعراقين إنسان
إذا قيل من حامي الحقيقة أومأت # إليه معد بالأكفّ و قحطان
و قال الشاعر:
شربنا من الذّاذيّ حتى كأننا # ملوك لهم في كلّ ناحية وفر [٣]
فلما اعتلت شمس النهار رأيتنا # تخلّى الغنى عنا و عاودنا الفقر
و كان أبو الهندي من ولد شبث بن ربعيّ الرياحي من بني يربوع و كان قد غلب
[١] العذيّة: الطيبة البعيدة عن الماء و الوخم.
[٢] الهيوبة: الذي يهاب.
[٣] الذاذي: نبت حبه على شكل الشعير.